تصل صباح السّبت، العاشر من شباط/ فبراير، الشّاعرة أسماء عزايزة إلى برلين قادمة من فلسطين، للمشاركة في الدورة الأولى من مهرجان أيام الأدب العربيّ الألمانيّ، والذي تنظّمه مجلّة فنّ بالتعاون مع مكتبة بيناتنا في المدينة. أسماء عزايزة، شاعرة وصحافيّة، مولودة في قرية دبورية عام 1985، وتقيم في حيفا منذ سنوات كثيرة، في رصيدها ديوانان، الأوّل بعنوان “ليوا”، والذي حاز على جائزة الكاتب الشّاب في حقل الشّعر من مؤسّسة عبد المحسن القطّان في العام 2010، والثّاني بعنوان “كما ولدتني اللدّيّة”، والصّادر عام 2015 عن دار الأهليّة في عمّان، كما تعمل اليوم مديرة فنيّة لمقهى فتّوش في حيفا.

قبل وصولها بأيام قليلة، كان لمجلّة فنّ هذا الحوار معها

أسماء عزايزة بعدسة ديرك سيكبا، مجلة فن

فن: ما هو الشيء و/أو الهاجس، ربما الثابت أو المتغيّر مع الزّمن، الذي يبقيك شاعرةً؟

أسماء: ليس هاجسًا، وليس شيئًا خارجيًا أفكر به، هو تكويني، بمعنى: إن مرّت فترة قصيرة لم أكتب فيها، أتحوّل إلى إنسان عصبيّ، المسألة فيزيائيّة، كأنّي نسيت أن آخذ حبة الدواء، أشعر بعدم راحة، وكأنّي أتحوّل إلى ماكينة حتى وإن كنت أفعل أشياء جميلة، وعندما أعود للكتابة، أنتعش من جديد، أحبّ الحياة والدنيا والناس، أشعر أن لدي طاقة أكثر. المسألة بدائيّة أكثر مما هي طرديّة، إنّها علاقة واضحة وبسيطة، وبلا فلسفة مثل أن “الشعر هو نقيض الموت ويبقيني حيّة” وما إلى ذلك، إنّما هي تمامًا مثل أن يستيقظ أحد في الصّباح ولا يكون بحال جيدة دون احتساء فنجان قهوة، ومثل أن هنالك من لا يستطيع أن يعيش بلا حبيبه، الأمر فيزيائيّ وبشري، لي علاقة صداقة مع الشعر، أحب أن أقضي وقتًا مع الكتابة، و90% من قصائديّ، حين تكون في أوّل سيرورة الكتابة، أرتجف حين أكتبها، أشعر بضيق، كأنّي سألتقي بشخص لأوّل مرة، كأنّ لدي لقاء عمل، ضغط وتوتر، وبالتالي هنالك علاقة حيّة ونابضة مع الكتابة، التي أصبحت جزءًا مني، لم تعد الفكرة هي التي تجعلني أكتب، أو حاجتي للتعبير مثلًا، كلا، هي ليست حاجة، ولا لأنّي أرى أني أكتب جيدًا فأواصل الكتابة، إنّما هي علاقة متبادلة مع الشعر، تشبه علاقتي بالبشر.

فن: يختلف “ليوا” عن “كما ولدتني اللديّة”، بماذا يختلف مشروعك الشعريّ القادم عن كلّ منهما؟

أسماء: يختلف المشروع الجديد عن كليهما، ولكن في الوقت نفسه، يشبه الأوّل بشكل عجيب، ولا يشبهه أبدًا، بمعنى، أن هنالك مسافة زمنيّة، 8 سنوات، كانت سنوات فارقة في حياتي، فيها تجارب قاسيّة ونضوج وحياة وقراءات مختلفة، ومجهود ذاتيّ وغيره، وفي الشّعر، بالطبع، أصبح النّص أكثر نضوجًا، محمّلاً بدلالات أعمق ومعانٍ ألمع وصارخًا أكثر من حيث أني أحاول أن يكون صريحًا أكثر أيضًا، تقف خلفه امرأة، وليست صبيّة صغيرة، أنا ما زلت صغيرة لكني أرى نفسي امرأة فعلاً، ويشبه الأوّل بمعنى أني منشغلة بنفسي، وفي أماكن كثيرة تظهر للقارئ أنّ القصيدة سياسيّة، ربما هي كذلك، لكني أراها شخصيّة، منشغلة فيها بنفسي وأفكاري وعبثيّتي، وأستطيع القول إني أحبّ أن يكون مشروعي الشعريّ نابعًا من تجربة شخصيّة دائمًا، من المفترض أن يكون الأمر طبيعيًا، لكن لسنوات طويلة ابتعدت عن نفسي، وكان لدي حاجة وجوديّة ونفسيّة أن أعود وأكتب دواخلي وتجربتي الشخصيّة فيما يتعلّق بتفاصيل كثيرة خاصّة وحميميّة، وكذلك تفاصيل تبدو عامّة، مثل السياسة.

فن: تعيشين في حيفا منذ سنوات، بماذا تُساهم هذه المدينة بمشروعك الشعريّ؟

أسماء: لا أعلم، تساهم بمشروعي الشعريّ، على أنها مخزنٌ للذكريات، وما زالت، لكنّها لا تجدد لي شيئًا، كل التجديد الذي اكتسبه على المستوى الشخصيّ، على حياتي ونفسيتي وثقافتي الشخصيّة وقراءاتي، مصدره الكتب والإنترنت والناس الذين ألتقيهم عبر المنصات الرقميّة والسّفر. ما يجري في حيفا مهمٌ، كالمسرح والأحداث الثقافيّة، هنالك منصة لما يحدث، وهو كثير، لدينا منصات تستقطب منتوجات فنيّة عربيّة وعالميّة، تتفاوت الصّناعة بين المسرح والموسيقا، لكن إن أردت أن أتحدث عن مجالي الأدبيّ: لا شيء. يكذب من يقول إن هنالك مشهدًا أدبيًّا في أراضي الـ 48، ليس هنالك أي مشروع حقيقيّ في الأدب؛ لا في النشر ولا بدعم الكاتب أو حتّى بإيصال صوته للجمهور، ولا في خلق مجتمع كاتب، ولا بتنميّة مواهب كتابيّة، هنالك أفراد يكتبون، لكن ما من مجلّة أدبيّة ولا دار نشر. طيّب، وجود المشهد يتطلب مساحات توصل الشّعر والأدب إلى الناس، ما من ناقد أدبيّ في أراضي الـ 48 يقرأ بالفعل، ويتابع وينتقد ما يحدث هُنا، تكتب الناس انطباعاتها على ما يُنتج، وهذا ما يشعرني في حيفا بالجوع والملل. أنا “زهقانة”، أريد أن أكون في مكان يعيش فيه مجالي الحيويّ، ومجالي هو الأدب، ولا أعيشه هنا، لا ألتقي بكتّاب لأناقش معهم الأدب والثّقافة، حيفا مسالمة، حياتي فيها هادئة، ومكان عملي قريب من البيت، لدي بعض الأصدقاء وهامش للحريّة، على هذا المستوى البسيط، هي ممتازة، وتشكّل أيضًا مخزنًا لذكرياتي، لكنّي أريد بيتًا، فيه صالون وغرفة نوم مريحة، ولا أجد هذا هُنا، حين أمشي في حيفا، أمشي بذكريات فتاة نشأت وشبّت هُنا، وأحبّ هذا، ولكن على المستوى الشعريّ، أحتاج إلى مكانٍ آخر.

فن: امتدادًا لسؤال حيفا، ولانشغالك بها ثقافيًا، كيف يبدو المشهد الثقافي الفلسطينيّ اليوم فيها، حسب رأيك ومن تجربتك المهنيّة المتواصلة؟

أسماء: على المستوى المهنيّ، أشعر بأني أعطي المدينة كثيرًا، وأن لدي المزيد مما أريد أن أمنحه لها. أشعر أن هناك جيلاً جديدًا من الصعب أن أصله، وهذه حقيقة مليئة بالتحديات؛ جيلاً مزاجيًّا ونقديًّا وحادًّا، وهذا يخيفني، لكني أحبّه، أشعر بأنه أكثر جرأة وسرعة منّا، وأحبّ أن أفكر بأن هذا الجيل يعيش في حيفا الغنيّة، التي نشهد عليها اليوم، حيث أنا وجيلي لم نرها هكذا، ولم نعش في بيئة متحرّكة ثقافيًا وفنيًا، وأشعر أن مشروع مقهى فتّوش هو التجسيد الأمثل لهذه الحالة، على الرغم من كل محدوديات العمل التي يمكن أن تواجهنا في أي مساهمة بصناعة حركة ثقافيّة، ولكنه تجسيد جميل ومرضٍ لما نستطيع أن نفعله في مدينة صغيرة، فيها صنّاع الثقافة قليلون، ماذا يمكن أن نفعل كي تكون الأشياء أقرب تشبه احتساء فنجان قهوة، تجعل الأشياء ألطف وأقرب وأكثر فيزيائيّة وليست إلكترونيّة؟. متّجر فتّوش والكتب التي فيه تعوّضني عن حرمان يعود إلى جدّي، حرمان من الكتاب العربيّ، وعندما اقتربت من الكتب في المتّجر، شعرت بثأر شخصيّ تجاه كل من ساهم بأن نتحوّل إلى كائنات متخلّفة في هذه البقعة من الأرض، نحن متخلّفون بمعنى أن العالم كان ماشيًا ونحن بقينا في مكاننا، لأن الكتاب لم يصلنا، وصلت الكتب إلى الجميع عدانا، وفكرة أننا انقطعنا عن العالم العربيّ، لا علاقة لها بانقطاعنا عن الناس، كلا، إنّما بانقطاعنا عن الكتاب العربيّ، وهذا ما فعلناه في فتّوش، هو إنجاز وردم للهوة الكبيرة التي اسمها تخلّف.

فن: اتسمت فترات زمنيّة عديدة بتشابه أصوات شعريّة فلسطينيّة، نظرًا للظروف السياسيّة، هل برأيك أن هنالك اليوم عناصر تشكّل مشهدًا شعريًا فلسطينيًا؟ هل هنالك مشهد فلسطيني شعريّ أصلاً؟

أسماء: “مؤخرًا، أصبح عندي تحفظ من كلمة مشهد أدبيّ أو شعريّ فلسطينيّ، لا أشعر معه بالارتياح، لا مع دقته أو جدواه، ماذا يعني مشهد أدبيّ فلسطينيّ؟ على ماذا يعتمد هذا التقسيم؟ الجغرافيا؟ العِرق؟ اللغة؟ أؤمن أن هذا التقسيم يخدم الأهداف البحثيّة والأكاديميّة، له علاقة بفحص تأثير حدث أو حقبة سياسيّة أو مفصّل سياسيّ أو اجتماعيّ على القصيدة، بمعنى، أن يأتي أحد ويقول هيا بنا نفحص القصيدة الفلسطينيّة التي كُتبت في بيروت عام 1982، ربما لديها ملامح متشابهة، هذا مفهوم، أو أن يأتي أحد بعد 50 عامًا ويفحص القصائد التي كُتبت إبان الثورات العربيّة، لكن أن نسمي اليوم قصيدة فلسطينيّة أو سوريّة، لا معنى لذلك. أشعر أن قصيدتي تشبه أحيانًا قصيدة شاعر مصريّ، هنالك تشابه مع شعراء لا يعيشون في منطقتي وغير فلسطينيّين، لا أشعر أن هنالك مرسىً سياسيًّا تعود إليه القصيدة الفلسطينيّة، لأن ما من مرسى سياسيّ اليوم أصلاً، ليس للناس مرجع واحد يلتحمون عليه، ما من لُحمة واحدة ولا موقف واحد. لأن الفلسطينيّين لا يشعرون بالتهديد الواضح ذاته، ما من حالة طوارئ وجوديّة، ما من حياة أو موت، هنالك حالة حياة أو موت فرديّة، لكن لا يشعر الفلسطينيّون بتهديد جماعيّ اليوم على وجودهم، وعدم وجود هذه الحرب الصاخبة التي تهدد الهُويّة الجماعيّة، تجعل الانشغالات السياسيّة في القصيدة مختلفة، منها الهادئ ومنها تلك التي نبرتها عاليّة وصارخة.

فن: لديك علاقة ببرلين، بمحورها شعريّ، أي مقولة شعريّة منك تحبين أن تقدّميها في هذه المدينة؟

أسماء: لا أعلم، أو لأقل: لا أعلم ما أريد قوله، لكني أعلم ما لا أريد أن أقوله، أعتقد أن الفكرة أصبحت كالكليشيه، ويقولها أغلب الكتّاب العرب، لكن سئمنا من التوقعات التي يُظهرها الغرب لقصيدتنا، أي أن يصبح الاهتمام بي هو سياسيّ كفرد، من المكان الذي جئت منه. هذا مفهوم، بمعنى، إن التقيت بشخص قادم من حرب أو منطقة صراع، بالتأكيد سأكون معنيّة بتاريخه. عندما زرت كرواتيا مؤخرًا، تحدثت معهم عن الحرب والسياسة والتاريخ، هذا يهمني، لكن عندما يُسقَط هذا الاهتمام ويتحوّل إلى توقعات من القصيدة، فهذه كارثة كبرى! وللأسف، هنالك شعراء وناشرون أوروبيّون وجوائز أوروبيّة يكرّسون هذه التوقعات، وأصبحت ضمن أجنداتهم، وهناك شعراء عرب يغذون هذه الرغبة البشريّة بأن يرى الناس دم الآخر، والحاجة لأن يشفق على الآخر، ويشعر بالتعاطف معه، لأن يشعر بأن هنالك ضحيّة أقل منه وليس هو الضحيّة. وتاريخيًا، رأى الغرب كيف أن العالم كلّه ضحيّةً عداه. اللحظة التي تكرّس هذا الجوع للدم، لمشاهدة الضحيّة في الشعر، سيئة ومطبّ كبير.

نحن قادمون من مناطق دمويّة، ونحكي عنها، ولكن يُنسى أننا نحكي أيضًا عن أشياء كثيرة حولنا، وكثير منها يعتبر مرفهًّا مثل الحبّ والورد والطبيعة. كوننا نعيش في مناطق حرب، هذا لا يعني أبدًا أن ما من حياة أخرى نعيشها، هذا غير طبيعيّ.