رغم غياب عالم المكتبات في بلد النزوح، إلا أنني قرأت مؤخرًا عددًا من الكتب، ومن بين الكتب التي استوقفتني مجموعة “أنثى الماء” للقاص السوري أيمن سليمان الأحمد. إن ما لفت انتباهي وشدني لهذه المجموعة هو حضور اللون كحامل أساسي لأفكار القاص، لذا سأحاول أن أسلط الضوء على تلك الظواهر اللونية ودلالاتها.

من خلال القراءة يتبين لنا أن الكاتب لم يكن عبثيًا في استثمار اللون في قصصه فالقراءة كفيلة بأن يكتشف القارئ ثقافته الجيدة ومستوى حساسيته العالية، فحتمًا هو يدرك أن اللون يشغل مساحة كبيرة من حياتنا، فاللون محرض حيوي وحافز للروح والذاكرة، بالإضافة إلى كونه رسولاً فاضحًا للمشاعر المختلفة والمتنوعة، فهو مكمن للرمز الذي يهجئ ويختصر مشاعرنا بكل لحظاتها وحالاتها كالحزن والسرور والغضب و…

قسم القاص مجموعته إلى ثلاثة أبواب وهي: باب اللون وباب الدفلى وباب الحدس.

سنجد في الباب الأول حضورًا كبيرا للون، وكأن السبب وراء ذلك هو تحريض وتأجيج المشاعر لدى القارئ.

المركز الأول في الدورة الثامنة عشرة من مسابقة الشارقة للإبداع العربي لعام 2015.

في القصة الأولى “علبة سردين”، يحضر اللون في مشهدية درامية منذ البداية، إذ يصور لنا حالة الانتظار والوقوف أمام اللون الأحمر الذي يفجر في النفس الإنسانية ينابيع التوتر والقلق أمام حالات متداخلة من المشاعر، وكأنما الأحمر نافذة تعبر عن قساوة ويباس للأمل أو ساحة تتزاحم فيها الهموم والقلق، فاللون في فهم أيمن له القدرة على رصد المشاعر والعواطف والنيات لذا لجأ إليه، وهو عندما يركز على الأحمر في هذا النص يريد أن يختصر حالة اليأس في نفس البطل الذي تواجهه العقبات وتمنعه من بلوغ البياض المنشود الذي يستوعب كل الألوان.

ويؤكد أيمن على أهمية الحالة البصرية في إيصال المشاهد والصورة للمتلقي، فيستغل اللون في نفس القصة ليترصد الأمل والأمان في اللون الأزرق لذا يختاره لونا لصدرية مجنون المدينة (سيفو) ثم يعرج على اللون البني لعين المجنون (سيفو) ليخلق فيها مشاهد معبرة عن الأحلام والأمنيات التي تتملص من بين أصابعه ليعكتف قبل نهاية المشاهد في محراب اللون الأخضر هذا اللون الضعيف أمام قدسية اليباس ثم يتابع تصوير المشاهد بحرفية مخرج سينمائي فيشكل عوالم الدهشة على المساحة البيضاء من عين (سيفو) و كأن تلك المساحة هي المكان المناسب لرسم المشهد الأخير للقصة..

“بدأ شيءٌ يتشكل في المساحة البيضاء من عينيه.. ابتعلت ريقي .. أدهشني ما ارتسم فيها .. لم تكن إلاّ صورة لأخي الصغير وهو يستبدل طائرة الحلم بعلبة (سردين) فارغة راح يسابق الأزقة متوسلاً لها الطيران!!”

أما في نص “المخاض”، فالألوان متنوعة الاحتمالات. فلدى أيمن قاموس للون تتوالد فيه الأفكار والمشاهد، وكمدرك دائمًا يضعنا أمام حقيقة واقعية، ألا وهي أنك إذا أردت أن تنتهك حرمة الأشياء والمكان فعليك أن تقوم بتجريدها من الألوان..

 يركز أيمن على الأزرق لأنه إن غاب ساد على المشهد الفوضى والعبث..

طبعًا حضور العين في قصصه كحضور البطل في أغلب المشاهد، فنراها تساعد القاص على اختصار الذكورة باللون الأخضر الذي يحاكي الخصوبة والعطاء والأنوثة باللون الوردي الطافح بالرقة والطمأنينة. وسنلاحظ أن الأبيض أو البياض هو الحامل لكل تلك الألوان والأحداث وكأنه سيد الألوان أو لون الخلاص والصمت لذا ينهي قصته بالبياض..

“يتشظّى جسدها.. ويتحول إلى أوراق تتساقط على أرض الغرفة، فأجدني فوق طاولة مكتبي وأوراق الطلبات والمعاملات منثورة من حولي بطريقة مجنونة، أنتقي ورقة بيضاء من بين الفوضى، أمسك بالقلم وأكتب عنوان قصتي الجديدة: (سيد اللون).”

أما في قصة “قناديل عمياء”، فتستند الانطلاقة على عنوان إشكالي ومتناقض مع حاسة الرؤية التي تفسّر وتحلل منطق اللون وهاجس المشاهد والقارئ، فيربط بين البياض والغواية في مقدمة القصة، فهو عارف حتما بأن اللون الأبيض هو خليط الألوا،ن ثم يعود لينصف اللون الأسود الذي يشكل الأرضية الحقيقية لظهور باقي الألوان فيحضر الأحمر القلق والحذر، والأزرق الحلم، والسعادة الكامنة في اللون الأصفر.. فيشبّه الليل بالإزميل الذي ينحت سبل الخلاص بتلك القناديل الملونة.. كما يجعل القاص من مشهد الغياب لونًا صامتًا.. كل مصطلحات النور موجودة في هذا النص الذي اتهم الكاتب فيه قناديله بالعماء، فنرى الضوء والوهج والانطفاء والظلام، وكما النصوص السابقة تكون الخاتمة خاتمة لونية من خلال خلق حالة تآلف بين الظلام والنور..

 “ربما لأنّني لم أعد قادرًا على أن أميّز حبري الأسود من الظلام الذي ينهش البياض مع آخر شهقة حياة لفظها القنديل المتربع على طاولتي، لذلك سأضع نقطة سوداء فوق صفحة أصبحت –على ما يبدو– سوداء، وأطعم ملامحي لغياب الانطفاء.”

 في “هامش اللون”، آخر نصوص الباب الأول من المجموعة يستحضر أيمن الرسام كما في مجمل نصوصه، لأن الرسام حتمًا هو الأجدر والأقدر على رصد وفهم وعبور التضاريس اللونية بفرشاته التي تعيد ترتيب مشاعره وكوامنه وأمانيه بالألوان، فيرى بأن الأشياء تظل غامضة وضبابية المشهد لولا خيط البياض الذي يداعب باقي الألوان العميقة منها والبسيطة، فنراه يربط بين الأبيض اللامتناهي في نظره والأزرق الواسع كالبحر والسماء، وينظر إليهما كلونين مخلصين للحلم، أما اللون البنفسجي فهو لون عميق وصامت وآسر للروح والعين. طبعا كحال باقي القصص يكون الختام دراما لونية، فيرصد أيمن ذاك المشهد الصامت كالرسام، حيث الطاولة الرمادية التي تبث في نفسه حالة اشتهاء فاضحة، وكرسيان شاغران لعاشقين ينتظران الحكاية التي ستختصرهما بزهرة قرنفل بيضاء على تلك الطاولة..

” حدّق الرسام في البياض عميقًا، أمسك فرشاة الألوان وبدأ من عمق اللوحة.. فنجانا انتظار.. وزهرة قرنفل بيضاء كانت تفترش الطاولة الرمادية في حالة اشتهاء واضحة، وكرسيان شاغران لعاشقين لم يولدا بعد!”

سأتوقف عند هذا الباب “باب اللون” تاركًا للقارئ اكتشاف باقي المشاهد اللونية في قصص أيمن، وحل عقد تلك المعاني الإيحائية والدلالية التي تبين للمتلقي الأبعاد النفسية والاجتماعية  لتلك الألوان في كل من “باب الدفلى” و”باب الحدس”.. ليكتمل النشيد الذي أراده أيمن الأحمد من (أنثى الماء)، المجموعة القصصية الفائزة بالمركز الأول في الدورة الثامنة عشرة من مسابقة الشارقة للإبداع العربي لعام 2015.