دخل “الكتاب النثريّ” للشاعر الألمانيّ راينر ماريا ريلكه (1875-1926) تحت عنوان “مذكّرات مالته لوريدز بريغه” إلى اللغة العربيّة أخيرًا، بترجمة الفلسطيني إبراهيم أبو هشهش. نقول أخيرًا، إذ مضى أكثر من قرن على صدور الكتاب لأوّل مرّة بالألمانيّة، ولم يُترجمه أحد من قبل، فأهلاً بمالته لورديز بريغه ولو بعد أكثر من قرن.

صدر الكتاب للمرة الأولى 1910 في لايبزغ عن دار نشر إنزل، مجلّة فن

صدر الكتاب للمرة الأولى 1910 في لايبزغ عن دار نشر إنزل، في السنة ذاتها، صدرت منه خمس طبعات مختلفة، الأمر الذي دفع أندريه جيد لترجمة جزءٍ منه في 1911 إلى الفرنسيّة، قبل أن تصدر ترجمة كاملة للعمل على يد موريس بيتس إلى الفرنسيّة في 1923، ثم تُرجم إلى اللغة البولنديّة عام 1927 عن طريق الكاتب البولندي فيتولد هيلبفيتش. في 1985 تُرجم إلى الإنكليزيّة عن طريق ستيفن ميتشل، وصدر في نيويورك، ثم شهد العام 2009 ترجمة ثانية إلى الإنكليزيّة بلندن أنجزها مايكل هولس. هكذا كانت الترجمة العربيّة من آخر الترجمات لعمل ريلكه هذا.

ربّما يكون هذا التأخر في ترجمة العمل مُرتبطٌ بسياق كامل لتأخر تلقي الأدب الألماني عند العرب. هذا ما يوضُّحه بحث الدكتور عبده عبود:

“بينما ازدهر استقبال الأدبين الفرنسيّ والإنكليزيّ أواسط القرن التاسع عشر، لم يبدأ تلقي الأدب الألماني إلّا مع مطلع القرن العشرين[1]”(…) رغم “الهيام الرومانتيكيّ العربي بكل ما هو ألمانيّ”(…) المُتأتي من “عدم وجود مساعٍ استعماريّة للألمان في البلاد العربيّة –رغم جهودهم الحثيثة- فظهروا “في أعين العرب كشعب ليس لديه سوابق استعماريّة[2].

يقول أبو هشهش خلال حفل إشهار الكتاب في الأردنّ: (الرواية) تُعتبر إشكاليّة و صعبة، ترددت 25 عامًا في ترجمتها بسبب صعوبتها، ويبدو أنَّ هذا هو سبب عزوف المترجمين العرب عن ترجمتها إلى العربية بعد أكثر من 100 عام على صدورها لأوّل مرة.

يشرح أبو هشهش صعوبات ترجمة العمل: “يتعلق الأمر بدايةً بصعوبة التفريق بين الضمائر في اللغة الألمانيّة، بالإضافة إلى أنَّ الصور والتشبيهات في العمل أحيانًا تكون غريبة، وهو ما يعزز من شعريتها ويشكّل صعوبة في نقلها إلى العربية”.

أما الصعوبة الكبرى –كما يقول– فكانت في فهم ما يقوله ريلكه؛ فهو أكثر شعراء البشرية غموضًا، يستخدم الألمانية كأنه أول شخص يستخدم هذه اللغة، لهذا حملت الكلمة في هذا العمل دلالات متعددة، وكنت كلما فككت لغز جملة شعرتُ بالإنجاز. خاصة أن ريلكه أخذ ست سنوات في تأليف الكتاب، وهذا ما يدل على جديته في التأليف”.

تُرجم عنوان العمل في مقدمات أعمال لريلكه مترجمة للعربية أكثر من مرّة سابقًا، وكان العنوان: دفاتر مالته لورديس بريغه، وقد أجمع العراقي كاظم جهاد واللبنانيّ شربل داغر على هذه الصياغة في ترجمة العنوان. غير أن لأبو هشهش رأيًا آخر. يقول خلال حديثه مع فنّ: إنَّ الكلمة الأدق هي مذكرات وليست دفاتر.

نستحضر هنا كلام المفكر والمترجم التونسي فتحي المسكيني في مقدمة ترجمته لكتاب “الكينونة والزمان” للألمانيّ مارتن هايدغر حول الكثير عن صعوبات –وربّما أحيانًا استحالة- الترجمة من الألمانية لبعض النصوص: إنَّ ما يُترجم هو ما يُمكن أن نجد له عديلاً لِسانيًّا أو اصطلاحيًّا داخل عائلة لغويّة وروحيّة واحدة. فهل وجد أبو هشهش هذا العديل لنصّ ريلكه؟

من يعرفون الألمانيّة والعربيّة أشادوا بهذه الترجمة، إبراهيم أبو هشهش، مجلة فن

يجيب أستاذ الأدب الحديث في جامعة بيرزيت أبو هشهش على سؤال فنّ:

“هناك ترجمات بديلة وأخرى مكافئة، أنا أعتقد أن على المترجم الأدبيّ أن يعمل على نقل نفس تأثير الجملة في اللغة الأجنبية إلى الجملة العربيّة، وأن يجعلها مكافئة في اللغة العربية، قد يقصّر وقد ينجح المُترجم، المسألة نسبيّة. من يعرفون الألمانيّة والعربيّة أشادوا بهذه الترجمة، وهذا ما جعلني أكثر ثقة بنفسي وبهذه الترجمة”.

مضى ما يقارب ربع قرن على أوّل مرّة قرأ فيها أبو هشهش كتاب ريلكه هذا، وشعر برغبة في ضرورة ترجمته. لكنّه لم يُترجم منه سوى قبل سنة. عاود النظر في الكتاب فوجد نفسه يترجمه جزءًا وراء جزءٍ. وكان خلال الترجمة يمرُّ على مقاطع فيه “جعلتني أرتجف وكان التحدي أن أوصل هذا الشعور للقارئ العربي”. بحسب ما يقول.

تحظى مذكّرات مالته، الشخصيّة الرئيسيّة في العمل، في باريس، بنصيّب جيّد من الكتاب، الأدق شرور باريس وليست باريس، وبتعبير غريالد شتيغ “عاش ريلكه في مدن كبيرة عديدة منها براغ ومينوخ وبرلين، ولكنّه كان يرى في باريس عاصمة الشرّ والمعادل الحديث “لبابل التوراتيّة”. من هذه الشرور تبدأ أولى النصوص في العمل:” إذن، إلى هنا يأتي الناس ليعيشوا. أميل أكثر إلى الاعتقاد بدلاً من ذلك أنَّهم يموتون هنا”.

لا حدث رئيسيّ في العمل، كما أنَّه لا يعتمد بشكلٍ أساسيّ على سرد الأحداث، ومن خلال نصيحة المُترجم في مقدمة الكتاب: “واحد وسبعين مقطعًا (تشكّل الكتاب) يُمكن قراءتها منفصلة على أنَّها قصائد نثر قائمة بذاتها”. هكذا يسير العمل، يتنقل فيه ريلكه بين الريف الدانماركي والأساطير والتاريخ القديم في أوروبا، التراجيدياـ الدين، الفهم.

نال شعر ريلكه من الترجمة إلى العربيّة نصيبًا أكبر من نثره. نذكر ترجمة العراقي كاظم جهاد لـ “مراثي ذوينو” في مجلّة الكرمل في ثمانينيات القرن الماضي، كذلك في المجلة ذاتها ترجم جهاد “سونيتات إلى أورفيوس”. هذا في البدايات. ريلكه في الشعر معروف نسبيًّا للقارئ العربيّ، ربّما بسبب أنَّه “من قاد الشعر الألمانيّ إلى الكمال لأوّل مرّة في تاريخه” بحسب تعبير روبرت موزيل.

مرّت منذ فترة، تحديدًا يوم 29 ديسمبر/ كانون الأوّل، الذكرى 91 على رحيل راينر ماريا ريلكه، تُرجم الكثير من أشعاره إلى العربية عن طريق أكثر من مُترجم عربيّ، وحالف الحظّ القارئ العربيّ مؤخرًا بترجمة عمل نثريّ لأوّل مرة له إلى العربيّة. ربّما كانت ترجمة أبو هشهش هديّة بهذه الذكرى، خاصة وأن إشهار العمل جرى وسط احتفاء مُترجمين عرب بهذا الكتاب في عمّان، ساعد بعضهم أبو هشهش في ترجمة بعض المقاطع التي وردت بالفرنسيّة في الكتاب؛ كالمترجمين نهى ووليد السويركي، ومساعدات أخرى من قبل المترجم عن الإنكليزيّة تحسين الخطيب. وآخرين كانوا حاضرين في هذا الاحتفاء الذي تأخر لكنّه وصل أخيرًا ولو بعد 107 سنوات.

.
[1] د. عبده عبّود ص 14  مجلّة الآداب الأجنبيّة عدد أكتوبر 1989 استقبال الأدب الألماني في الوطن العربي “لمحة تاريخيّة”.
[2] – المصدر السابق ص 15.