ولدت الشاعرة إباء الخطيب عام 1986 في مدينة سلمية بسوريا، حصلت على عدة جوائز محليّة وعربية، تكتب الشعر والقصة والمسرحية، في العام 2018 أصدرت مجموعتها الشعرية الأولى “بأيّ جرح ألمسك” الصادرة عن أكاديمية الشعر في أبو ظبي. وعلى خلاف الكثير من الشاعرات المعاصرات، قررت الخطيب أن تكون مجموعتها الشعرية الأولى موزونة ولا تنتمي إلى قصيدة النثر التي أصبحت السمة السائدة في الشعر المعاصر، ليس بالعربية وحسب، إنما في اللغات الأخرى.

مجلة فن حاورت الشاعرة إباء الخطيب للحديث عن تجربتها وأسئلتها وحياتها.

الشاعرة إباء الخطيب – خاص مجلة فن

مجلة فن: لقد عرفك جمهور الشعر عن طريق مشاركتك في برنامج أمير الشعراء، ونعرف أن برامج من هذا القبيل عادة ما يكون المشاركون فيها رجالاً، لماذا شاركتِ؟ وكيف كانت تجربتك؟

إباء الخطيب: أول جملة شعرية لي، إن صح التعبير، كانت بعمر لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، يومها رفعني أبي، رحمه الله، على الطاولة، وجعلني أعيد وأكرر ما سمّاه شعرًا على مسمع الحاضرين، فصفقوا لي بحماس، وكلما كنت أكتب “الشعر” ثم أقرؤه، ألقى التشجيع وألمح الفرح في عيون عائلتي. هذا الفرح الذي كان يرفرف في قلب أمي كلما حصلتُ على جائزة أو مرتبة أولى في مجال الشعر، هو الذي دفعني للمشاركة في أمير الشعراء، لأراه أيضًا في عيون أولادي وأشعل شمعة أمل ونجاح أمام هذه العيون في وسط كل هذا الظلام الدامس الذي نقبع فيه.

لقد تابعت مواسم أمير الشعراء، اشتركت فيها شاعرات جميلات، فلم تكن في ذهني المشاركة النسائية مستبعدة. وبالنسبة لتجربتي في أمير الشعراء كانت بالنسبة إلي مهمة حقًا، وخصوصًا أني كنت في مرحلة تحد للذات، فعودتي للشعر لم تكن قد تجاوزت السنتين وكنت قد تجاهلته لعدة سنين بسبب ظروف عديدة. عدت إلى الشعر من أوسع أبوابه وكان علي أن أسبر فضاءاته، وأمير الشعراء يتيح للشاعر هذه الفرصة.

أجمل النجاح هو ذاك المكلل بالتعب. لقد تعبت نعم، تركت ابنتي الصغيرة بعمر أربعة شهور، ولم استطع اصطحابها بسبب أمور متعلقة بإذن الدخول إلى الإمارات، هذا ما سبب لي أضرارًا نفسية وصحية استطعت أن أتجاوزها بفضل دعم أسرتي. وعندما وصلت متأخرة، فوجئت بعدد كبير من الشعراء تكتظ بهم ساحة الفندق. فقلت في نفسي هل سأظهر بين كل هؤلاء؟ وعندما بُلغت بعد مروري بالمراحل كلها أني اخترت بين العشرين شاعرًا لأمثل بلدي كنت بغاية الرضى والثقة.

مجلة فن: هل شكل لك اسم البرنامج أية مشاكل؟ تحديدًا لأنه يحمل صفة ذكورية، والإمارة فيها مذكّرة وليست مؤنثة؟

إباء الخطيب: لا أبدًا، لا أقيس الأمور هكذا، فالتسمية جاءت بالمطلق، وبصراحة لقيت حماسًا من الكادر المنظم للبرنامج بسبب الوجود النسائي المتزايد هذا العام، فكانوا سعيدين ومهتمين به مما أدى إلى اعتلاء عشرة شاعرات منصة المسرح في العروض المباشرة. وبالنسبة إلي، لا أهتم بهذا التصنيف شعر أنثوي أو شعر ذكوري، فالشعر حالة انتشاء روحية بغض النظر عن منبع هذه الروح وإن كانت التجارب النسائية أقل، فلهذا أسباب وأسباب أردّها للمجتمعات والعادات أكثر من الشعرية.

مجلة فن: ألا تعتقدين أن مثل هذه البرامج تكرّس حالة ماضويّة عن الشعر وتناوله؟

إباء الخطيب: مثل هذه البرامج تحمل الوجهين، لا يمكن أن ننكر ذلك، لكن دعني أحدثك عن تجربتي: الأساليب النمطية في القصيدة من حيث الشكل والمضمون لبعض الشعراء المشاركين قوبلت بالاستهجان في كثير من الأحيان، ولم أشعر أن المطلوب طرحه مشدود إلى الماضي، بل كان الخلّاق هو الأكثر لمعانًا.

مجلة فن: لماذا قررتِ نشر قصائد موزونة وعمودية؟ ألا تعتقدين أن القصيدة الموزونة قد استنفدت معانيها؟

إباء الخطيب: القول إن القصيدة العمودية استنفدت معانيها فيه إجحاف كبير بحق اللغة، نعم اللغة. لغتنا بحر لا ينضب، لا أقصد هنا المترادفات بقدر ما ألمح إلى الاحتمالات، سأعطيك مثالاً بسيطًا: إن أردت أن تلقي التحية على أحدهم فبكم طريقة تستطيع أن تصيغ عبارتك؟ كثيرة جدًا الاحتمالات، فكيف إن أردت أن تقول شعرًا؟ شعرًا ينطقه الوجدان، وصورةً يرسمها شاعر بكف قادر على تطويع اللغة وبعثها من جديد كل مرة، شاعر قادر على فتح أفق الصورة كلما اعتقد القارئ أن لا آفاق أعلى، برأيي الحداثة هي حداثة روح الشاعر وقدرته على غور أعماق اللغة والصورة والإحساس، وكلما كان قادراً طوّع القالب الذي يرى نفسه مرتاحا به، إن كان الشطرين أو التفعيلة أو النثر. والجمال سيفضح نفسه.

الشاعرة إباء الخطيب – خاص مجلة فن

مجلة فن: تقولين: “عدت للمنفى أصلّي”، هل تعيشين المنفى وأنت داخل سوريا؟

إباء الخطيب: نعم وجدًا ولن أزيد على ذلك.

مجلة فن: غالبية الكتاب والكاتبات أصبحوا خارج سوريا، كيف يكتب من هم داخل سوريا اليوم؟ لنتحدث عنك، ما هي أسئلتك الشعرية؟

إباء الخطيب: كل سوري كان عليه أن يتخذ مسارا معينا بإرادته أو دونها، والتفاصيل أكثر وأشد إيلاما من قدرتي على ذكرها. قدر لي أن أبقى في سوريا، لكني تقاسمت الوجع والحرمان مع كل سوري غادر أم بقي.

جميل أن يطرح الشعر الأسئلة، لكني الآن لا أطرحها، أخشى من كوني فقدت الرغبة بالأسئلة، ربما بالأجوبة التي لا تفضي إلى جدوى،

سؤالي الشعري الوحيد الآن هو: بأي جرحٍ ألمسك..؟!

بأي جرح ألمسك – إباء الخطيب

مجلة فن: يؤخذ على كثير من السوريين والسوريات الذين كتبوا في السنوات الثمان الماضية أن نصوصهم كانت انفعاليّة وذات صوت عالٍ، هل ترين أنك نجوتِ من هذا؟

إباء الخطيب: سأترك الرأي في هذا للقارئ.

بأي جرح ألمسك لمن قرأه أو سيفعل، ربما يُسمعه صوت أنيني الداخلي في النصوص المتعلقة بالوطن، لكن لن يسمع صراخًا انفعاليًا لا حاجة للشعر به عند تقديري. هناك شعراء عميقون بالأصل، ولديهم حدس الاستشراف من قبل ومن بعد، هؤلاء إن صرخوا في وجه الحرب سيكون صراخهم مضبوط الإيقاع له صدى مؤثر، وقد يخلده التاريخ عندما ستعود الأجيال اللاحقة لمرحلتنا. لكن هناك الكثير الكثير ممن يعتلون أكتاف الشعر ليجعجعوا من دون طحين، وهم المسؤولون عن إحساسنا بأن الشعر لم يُحِط بالواقع الأليم ولم يوفهِ حقه.

رامي العاشق

شاعر وكاتب وصحافي، رئيس تحرير مجلة فن

2018-12-04T14:46:10+00:00