ترسم رواية الديستوبيا تصورات لمستقبل بلا أمل. كتب كثيرة تنتمي إلى هذا النوع الأدبي أصبحت تصدر بشكل ملحوظ في مصر، وتعكس بشكل واضح ومحبط الأوضاع السياسية والاجتماعية فيها.

أحيانًا، تصبح الحدود بين الكابوسي والفكاهي غير واضحة، في أيلول/سبتمبر 2015، قبض على الصحفي والكاتب المصري أحمد ناجي، وهذا بعد أن ادّعى أحد المواطنين أنه تعرض إلى اضطرابات في ضربات القلب وهبوط في الدورة الدموية بعد قراءة جزء من روايته، والسبب المذكور لكل هذا هو اللغة الجنسية الصادمة في عمل ناجي الديستوبي “استخدام الحياة”. يظهر هذا الاتهام الذي بسببه قضى ناجي 10 أشهر في السجن واضطر أن يدفع غرامة ما يقارب 1000 يورو في غاية العبثية، لدرجة أنه في حد ذاته يبدو وكأنه نابع من رواية ديستوبيا ناقدة للمجتمع.

كلمة ديستوبيا تأتي من اليونانية وتعني حرفيًا أماكن لا يمكن أن توجد، أماكن كل ما يحدث فيها سيئ. عندما يتحدث ناجي يرى المرء أن هذا اللامكان أصبح واقعًا في بلاد عربية عديدة: “لم ألاحظ أنني أكتب رواية ديستوبيا”، هكذا قال البالغ الـ30 من العمر في مكالمة عبر سكايب. “فجأة بدأ الجميع يسألني عن الديستوبيا، فانتبهت أن هناك روايات عربية كثيرة مماثلة في الفترة السابقة، وهذا يقع على عيشنا في حاضر ديستوبي. فعن ماذا سيكتب الكاتب العراقي أو السوري أو المصري غير هذا؟”

الكاتب أحمد ناجي (خاص)

في الأعوام السابقة، قدم الأدب العربي العديد من الروايات الديستوبية على نحو ملحوظ. بعضها يأتي من مصر حيث يواجه الناس انقسامًا اجتماعيًا، تعسفًا إداريًا، ومراقبة حكومية – وهي موضوعات تقليدية للأدب السوداوي- منذ أن تولى العسكري السابق عبد الفتاح السيسي الحكم. وبينما تدور كلاسيكيات هذا الجنس الأدبي في المستقبل مثل “1984” لجورج أورويل و”فارينهايت 451″ لراي برادبري صدرت الروايات العربية المعاصرة لتشبه أمثلة مشوهة لحاضر مظلم.

نعم، روايتي هي كاريكاتير للواقع

بسمة عبد العزيز (خاص)

“نعم، روايتي هي كاريكاتير للواقع”، هذا ما قالته الروائية المصرية بسمة عبد العزيز. “إنها مليئة بالسخرية والمبالغات والفكاهة السوداء، لكن في الجوهر ظليت قريبة من الواقع”. في أيلول/سبتمبر لعام 2012 عادت عبد العزيز التي كانت تدرس في فرنسا إلى مصر. في قلب مدينة القاهرة مرت بجوار طابور من الناس يقفون أمام دائرة حكومية، وبعد ساعتين حينما مرت بجانبه مرة أخرى كان الطابور لا يزال هناك، ولمفاجأتها استطاعت أن تميّز وجوه الواقفين من المرة الأولى. الناس نفسها وقفت لمدة ساعات أمام أبواب مغلقة ودون أن تتقدم خطوة واحدة. بدأت تكتب في المنزل، وبدلاً من العودة إلى فرنسا كما كان مخططًا، ظلت تكتب حتى انتهت الرواية. في رواية “الطابور” تقع كل تفصيلة صغيرة تحت سيطرة النظام المستبد، سواء أكان ذلك نظرًا إلى نوافذ العرض في المتاجر أم الحصول على أدوية مهمة – كل شيء يتطلب تصريحًا للمواطنين والمواطنات، وهذا يمكن الحصول عليه من خلف البوابة الكبرى التي أغلقت منذ أن بدأت مناوشات عنيفة بين المتظاهرين والنظام. وهكذا تكوّن يومًا بعد يوم طابور من المنتظرين بطول كيلومتر واحد أمام البوابة الكبيرة، وكلما طال انتظار الناس، أصبحت حياتهم تدور أكثر وأكثر حول الطابور. فمثلاً يبدأ أحد المنتظرين في بيع الشاي للواقفين، الحافلات تتحرك بين بداية ونهاية الطابور، الشابات يبدأن في البحث عن أزواج….

عملت الكاتبة بسمة عبد العزيز كمعالجة نفسية بمركز النديم الذي حصل في نيسان/أبريل الماضي على جائزة حقوق الإنسان من منظمة العفو الدولية بألمانيا. المركز هو المساحة الوحيدة المتخصصة في التعامل مع الناجين من التعذيب في البلاد، ولأن الدولة تنفي وجود التعذيب أُغلق المركز منذ عام تقريبًا ومُنع من العمل. تحكي “الطابور” قصة يحيى الذي يحمل في بطنه منذ أحداث العنف رصاصة من الأجهزة الأمنية، ولأن النظام ينفي إطلاق النار على المتظاهرين، لا يستطيع يحيى أن يستخرج الرصاصة. يقف مثل الآلاف الآخرين أمام البوابة الكبرى كي يحصل على تصريح للعملية. في هذه الأثناء تمنع الدولة أجهزة الأشعة، فتصبح فرص يحيى في اثبات وجود رصاصة بداخله والحصول على تصريح لاستخراجها أكثر سوءًا كما تسوء حالته الصحية.

هناك نظام شمولي يحكم، لكنه في الوقت ذاته يفشل بيروقراطيًا

حينما صدر الكتاب بالعربية في عام 2013 كان مركز النديم لا يزال مفتوحًا والسيسي لم يكن رئيسًا بعد. اليوم تتشابه الحياة اليومية في مصر أكثر وأكثر مع السيناريو الديستوبي لرواية عبد العزيز. “كما كتبت في رواية “الطابور”، هناك نظام شمولي يحكم، لكنه في الوقت ذاته يفشل بيروقراطيًا”، تقول عبد العزيز. “هناك حالات أكثر وأكثر من العنف المؤسساتي والتعذيب والاختفاء. عشرات الآلاف يحبسون دون محاكمة عادلة وعقوبة الإعدام تستخدم بشكل دوري”.

بينما تنتقد بسمة عبد العزيز عنف واستبداد الدولة، يضع أحمد ناجي نفسه أمام أسئلة اجتماعية. تدور روايته “استخدام الحياة” بعد عشرين عامًا من ضرب عاصفة رملية للقاهرة وابتلاعها لنصف سكانها. يتذكر بسام بهجت، الشخصية الرئيسية، حياته كشاب قبل الكارثة في قاهرة يصفها بـ “بائسة، وقبيحة، وقذرة، وعفنة، وسوداء، ومكتومة، ومحاصرة، وميتة، ومزعجة، ورمادية، وملوثة، ومزدحمة، وفقيرة، وغاضبة، ودخانية، وحارة، ورطبة، وزبالة، وخرائية، وصفراء”. في المقابل هناك القاهرة المستقبلية العقيمة، حيث يجد بسام، الأكبر سنًا، أنه “لا مجال للتمرد، لا فضاء للعواء”. الطبيعة مصممة إلى أقصى حد، الطقس محكم، وكل إبداع يُشكل ليُحشر في السوق العالمي، وإلى جانب ذلك هناك مجموعة معماريين متآمرين يحكمون العالم.

في واقع مصر عام 2018 نجد مستويي الرواية الزمنيين بجانب بعضهما البعض. الحكومة تبني فعليًا منذ عام 2016 عاصمة إدارية جديدة خارج القاهرة. في بداية 2018 تم افتتاح أول فندق فاخر في المنشأة الصحراوية البهية. تقسم المدينة الكبيرة الحديثة نفسها حسب بنية القوة، وهذا موضوع تعامل معه بعض الكتاب الآخرين، مثلًا في “يوتوبيا” وصف كاتب الخيال العلمي المصري أحمد خالد توفيق في عام 2011 عالمًا يعزل فيه أهل القاهرة الأغنياء أنفسهم في عاصمة لامعة جديدة، بينما يسكن بقية الناس في المدينة القديمة المتهالكة وغير الآدمية. في رواية محمد ربيع المستقبلية المرعبة “عطارد” تدور الأحداث بينما تتصارع الأطراف على السيطرة على القاهرة. الديستوبيا العربية تصف اللامكان وتحذر من قدرته على أن يكون واقعًا، ولو في مكان آخر. “الأكاذيب، الحقائق المغايرة، التلاعب بالمجتمع: كل هذا الذي يظهر في روايتي، يعيشه الناس في بلاد أخرى مثل الولايات المتحدة” تقول عبد العزيز. “في قصتي لا يوجد ما يشير إلى المكان والزمان، لأن هذه الأوضاع قد تسيطر على أي مجتمع”.

ترجمة: إبراهيم محفوظ

هنا الهيتمي

صحافية ومترجمة ألمانية

2018-09-20T11:23:21+00:00