أتذكر الأمر بظلالٍ غائمة وبعيدة.

سريره بجانب سريري في الغرفة الصغيرة.

قال إنه يحب أن يكون سريره قريبًا من الشرفة التي تنفتح على البحر ليستمتع برؤيته في الصباح قبل خروجه. فأزحتُ سريري قبل جسدي للزاوية المقابلة حيث الجدار عاريًا بلا شرفة أو لوحة تحدّ من فراغه بلونه الأبيض الذي لا أطيقه، مكتفية بجواره.

  • بمقدورنا أن نجلس على الشرفة ونحتسي القهوة، نرقب البحر بنوارسه وسفنه في الصباح. قال متمتمًا وهو يخلع أخر قطعة من ملابسة لينام.

اِحتميتُ بالصمت متغاضية عما زعمه منذ قليل.

أعلم بأنه لن ينهض قبل الساعة الحادية عشرة، وأحيانًا كثيرة لا ينهض إلا بعد انتصاف شمس الظهيرة بقليل، متغافلاً عن البحر بنوارسه وسفنه، وعن فنجان قهوة الصباح الذي أعده، وعن إفطار “الزيت والزعتر” أو “المناقيش”، وعن أشياء كثيرة تفوته يعلم أن كثيرًا منها لن يتكرر ثانية، في حين كنت أنهض مبكرة، أستبق الفجر قبل بزوغه بكثير، أعدّ القهوة على مهل وأجلس “مع الملكة – فيروز” على شرفته بهدوء.

كأنه يحدس بما أفكر به.

  • سأنهض قبل الفجر. تعلمين. لدي موعد.  قال، وأضاف ضاحكا: الأمر منوط بك.

نهضتُ بعينين ناعستين.

بأصابعي المرتعشة أشعلت الضوء، وأخذت بالبحث عن الساعة: الخامسة والنصف تمامًا الوقت الذي يريد أن ينهض به.

ودهشت: ثمة منبه داخلي يوقظني دون إلحاح، لم يخطئ ولو لمرة واحدة، فلمَ الساعة؟! تأملته نائمًا: كان يغطّ في نوم عميق عميق، وجهه للناحية الأخرى، ويده اليمنى بدل وسادته تحت رأسه.

  • سأنتظر عله ينهض من تلقاء نفسه.

تذكرتُ أنني صحوت أكثر من مرة وسط العتمة بالليل، الهزيع الأخير من الليل على صوته يتمتم بما لا أفهمه، كأنما يقاتل أشباحًا سوداء أو حمراء يراها وحده دوني.

سأدعه قليلاً. قلت. وكنت قد عزمت على إيقاظه قبل أن أجدني أنهض في حلمي، وأطفئ الضوء لأنام ثانية بجانبه متناسية الجدار الأبيض، والقهوة، وشرفة البحر، وموعده عند السادسة صباحًا.

اللوحة للفنّانة أنّي كوركدجيان

2019-02-09T18:59:23+00:00