“الموت يصنع كعكة الميلاد” الموت يحتفل بالحياة، ويغرس الشموع على الكعك بدلاً من نصبها على جوانب القبور  أو الصور.

تخطر لي الفلسفة القائلة إن “الحياة تكتسب أهميتها من وجود الموت”، وأفكر بأننا لو عكسنا الجملة لوجدنا أنها لا تفقد صحتها، فالموت أيضًا يكتسب أهميته من عكسه، لولا الحياة لكان الموت مجرد طواف في العدم، في اللامكان واللازمان، ولم يكن وقتها الموت قادرًا على طرح السؤال: “كيف اقترفنا هذه المسافات الشاسعة من القتل؟” كما طرحه حمد عبود في الصفحة 11.

في الكتاب الذي يسرد يوميات مدن مرت على رؤوسها الغربان والويلات؛ يتجلى القتل لاعبًا يمارس ذكاءه في انتقاء الضحايا بأقل قدر ممكن من الأدوات: أن يفكك أكبر قدر من البيوت ببرميل واحد، أن يميت أربعة أشخاص بطلقة واحدة، الحركة الواحدة التي “ستحدث دوامة من الإسقاطات والتساقطات”..

وفي سلسلسة “التدمير العشوائي المنتظم” يقف الدكتاتور ملوحًا بيده فوق أكوام الخراب بعد أن يخبئ “حق الرد” جيدًا في جيبه، ويضيف حلقة أخرى إلى المجازر التي أصبحت مسلسلا لا تقطعه الدعايات..

وبالسخرية اللاذعة كحبات فلفل سوداء تتدحرج فوق اللسان يخاطب حمد عبود “الديكتاتور الجميل” فيقول:

“يطلقون عليك كل الألفاظ الغريبة، وأستغرب حقًا، هم لا يقدرون ما تفعله، لا يعرفون أنك استجبت لشكاوي الناس عن ضيق البلد وسوء التخطيط فيه، وقلت لهم: “اذهبوا واقضوا إجازاتكم في الخارج بينما أنفض البلد وأعيد بناءه من جديد”..

يغوص في التفاصيل اليومية العابرة، ويمنح للهوامش حيزًا في منتصف القلب، ستكتشف كقارئ بعد عدّة صفحات أن حبّات السمسم المنثورة على عتبات النوافذ لن تسد جوع العصافير التي أحرقت البراميل أطراف أجنحتها، وأن البرميل وحده سيبقى “يكتم صوت شهوته” قبل أن يلتهم ما تحته من جوع..

في الصفحتين 30 و 31 يتكاثر الموت كالأرانب أول الربيع، ها أنا أخلط الحابل بالنابل مجددًا وأطلق على الموت صفة الحياة الكبرى: “التكاثر”!

تتطاول المسافات وتبتلع ما يحلو لها من آمال ومخاوف، ثم تعود بعد صفحات لتزرع الأسنان اللبنية تحت الوسائد، وتسطر الصفحات بالمساطر الزهرية، وتبحث عن الحبيبات اللواتي يبتسمن لأن “ركلة هزّت أرحامهنّ”..

بالتناقض المفزع بين الأمل واليأس تتقلص المسافات لدى عبود، وتتداخل الألوان مع البياض كي تصبح “الثياب” صالحة لجميع أفراد العائلة، ولكي يصبح لابسها فردًا من الشعب الذي “يشتري كل شيء جديدًا ولكنَّه يفضّل قميصه الداخلي سماويًا مثقوبًا، وعليه ذكرياته العائلية”..

يطرح طرق الموت أمامك وكأنه يخيّرك: “مت باردًا في ثلاجة/ مت غرقًا/ مت بفطر سام في غابات مقدونيا/ مت معقمًا بملح البحر بدل الكيماوي/….” فتصبح فكرة الموت نفسها كلعبة تجرّب أزرارها المختلفة لترى النتيجة..

يمشي اليأس فوق جسد الصفحات المتلاحقة بعجلات حقيبة مكسورة، يطحن عظامها وجعًا ولكن يبقيها حيّة على سبيل المقاومة، تبحث عن “الدراجة التي تركبها لتعبر القارات دون فيزا”، وتضحك ضحكًا هستيريًا على “الهواتف التي نعت إليك أسوأ الأخبار”..

بالكثير من المهارة يشد عبود الواقع من يده ويسحبه نحو حيّز واسع من الخيالات والاحتمالات وسط الكثير من الشهود الواقفين على أطراف المشهد كلّه: “الملائكة/ بابا نويل/ الابطال الخارقون/ القطط/ …”  ثم ترجح كفّة الواقع مجددًا وهو يحاول أن يحفظ رقمه الاجتماعي المكتوب على ورقة خضراء، ويحسب المسافات بالكيلومترات بينه وبين أصدقائه وأهله في البلدان المختلفة..

ويجدر بالذكر أن الكتاب طبع في سويسرا عن دار “Pudelundpinscher” بدعم من المكتب الاتحادي للثقافة، وترجم إلى الألمانية بدعم مشترك من SüdKulturFonds   و LITPROM e.v. وترجمته إلى الألمانية لاريسا بندر. وكتب له الكلمة الختامية شتيفان ميليش.

وسأنهي الآن على طريقة عبوّد في الصفحة 57  في توقيع رسائله وتحديد مكانه: “من بداية العالم الجديد”، فهذه الطريقة تتناسب تمامًا مع ما قد يقوله الموت أمام الفرن حالما ينتهي من خبز كعكة الميلاد!