عندما كنت طفلة قرأت قصة عن سيّدة تترك بيتها كل صباح، تقطع مسافة كبيرة لتملأ جرَّتين من الفخار ماءً و تعود. إلى أن تعرضت إحداهما إلى كسر تسربت منه المياه، فصارت السيدة تعود بنصف الكمية المعتادة.

كبرْتُ وتغيّرت الحكايا، بحثت عن “اللؤلؤة” وحاولت أن أعرف “لمن تقرع الأجراس؟” أبحرت في “شرق المتوسط” ولم أعثر على “الياطر” ولأن “ألف شمس مشرقة” لم تكن كافية، أنرْتُ “المصابيح الزرق” وحاولت معرفة “حقيقة الخديعة” متمنيّة لو أنّي “ساق البامبو” بلا جذور أركض مع “عداء الطائرة الورقيّة” أطرق “باب الشمس” لأتعرف إلى “أولاد الغيتو” وألعب “لعبة المغزل” إلى أن أفهم الذي حدث “بينما ينام العالم”!

رافقتني القصص دومًا، وأثار اهتمامي قدرتها على محاكاتنا، كيف أننا مجموعة من القصص، يأخذ منّا الأدب ويعطينا، تنقلنا القصص من بلد إلى آخر دون أن نغادر مكاننا، تحفزنا على السؤال وتخلق لنا مواقف نتخيل أننا أبطالها في حياة ربما لن تمنحنا الفرصة الحقيقية لنختبر كل ما نحلم به من تجارب. ألم يحدث أن تخيلت نفسك بطلاً لقصةٍ؟ أو تمنيت لو كان بإمكانك أن تضيف أو تحذف بعض الكلمات من قصة ما فتغير مصير أبطالها؟

كثيرًا ما وددت لو أهمس لـ “هانسل وغريتل” بأن طيرًا أكل قطع الخبز، أو أن أخبر الساحرة في “بياض الثلج” أن لكل منا جماله الخاص، فعلام ترهقين روحك والمرآة؟

لأنها رفيقتي الوفيّة، اخترت القصص لتكون وسيلتي خلال عملي في مجال الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال. في كل مرة، أخبئ في جعبتي الحكاية وأروي لأطفال كبروا قبل أوانهم عن شمسية بابا الكبيرة، أو عن لولو التي تبحث عن صديق تلعب معه. ليست مهمة سهلة أن نطلب من الآخر أن يشاركنا تجربته ومشاعره. ومن المرفوض أن نسأل الطفل مثلاً عن الشعور الذي انتابه حين سقطت القذيفة أو حين فقد عزيزًا عليه. لذا كانت القصة!

السرد القصصي للمشاركة

كانت القصص هي الطريقة لنتحدث عن مشاعرنا، عن لحظات الخوف والسعادة  والغضب، عن صعوبة تشكيل علاقات اجتماعية، عن اللغة الجديدة والثقافات المختلفة. خلال سرد القصة، يكون خيال الطفل يقظًا وفضلاً عن متعة الاستماع إلى أحداث القصة، قد يبحث الطفل عن تقاطعات هذه القصة مع خبراته وتجربته الحياتية. كثيرًا ما أخبرني الأطفال قصصًا تشبه تجربة القصة التي رويت، وتسابقوا في ذكر مواقف قريبة من الموضوع. هي خطوة أولى لبناء علاقة بيني وبين الأطفال وبين الأطفال أنفسهم من خلال استعدادهم لمشاركة تجاربهم وقصصهم الصغيرة مع الآخرين.

 

اللوحة للفنان ياسر صافي

السرد القصصي لفهم مشاعر الطفل

اطلبْ من الطفل أن يعيد على مسامعك قصة كنت قد رويتها له، واستمعْ بانتباه إلى النقاط التي سيركّز عليها والتي تخبر الكثير عن مشاعر ربما لا يقوى على التعبير عنها لصغر سنه وتجربته التي لم تتح له الفرصة بعد بأن يدرك أن ما يشعر به هو الخوف أو الغيرة أو الغضب. سيركِّز الطفل الخائف على لحظة انتصار البطل مثلاً، بينما يطول وصف مشهد حوار بطلة القصة مع والدتها لدى طفل فقد والدته أو يعيش بعيدًا عنها لسبب ما.

السرد القصصي لنتعلَّم

إن حاولنا التفكير في تجربتنا الخاصة، قد نجد أن قصة روتها لنا الجدة كانت أكثر قدرة على حجز مكانها في الذاكرة مقارنة بدرس ممل يخبرنا بشكل مباشر أنّ الصدق قيمة علينا جميعًا التحلّي بها. ثمة جمال في بنية القصة، في مخاطبتها للخيال ورسم مشاهد وصور تكتمل شيئًا فشيئًا في ذهن المتلقي، في الإرباك الذي تحدثه العقدة والحماس للحظة بلوغ الحل. هذه السمات تجعل من السرد القصصي أداة  مغرية وذات أثر أبقى في تحقيق هدف التعلُّم.

نسيت أن أخبركم نهاية قصة الجرة التي كسرت:

لاحظت السيِّدة في طريق عودتها أن الأرض صارت مليئة بالزهور في الجانب الذي مرت من فوقه الجرَّة المكسورة، هذا الكسر سمح للماء بأن يروي الأرض وللزهور بأن تنمو، لذلك لم تبدلها، بل بدلت حزنها بالفرح!

يوما ما، أنقذني كسر في جرة الفخار، حين قررت رغم ما بي من ضعف أن أحاول من جديد، فربما أزهرت في الحقل زهرة!

واليوم نجلس في دائرة صغيرة، نحاول -صغاري وأنا- أن ننجو معًا في كل مرة تبدأ فيها القصة وأقول: “كان ياما كان”.