أثناء مشاركتها في مهرجان الأدب العالمي في برلين بدورته الثامنة عشر، قدمت الكاتبة السورية ديمة ونّوس، محاضرتيْن عن روايتها الأخيرة “الخائفون” التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالميّة للرواية العربيّة للعام 2018. وُلدت ديمة ونّوس في دمشق عام 1982، وهي ابنة الكاتب المسرحي سعد الله ونّوس. درست الأدب الفرنسيّ والترجمة في جامعة دمشق والسوربون، وصدرت لها مجموعة قصصيّة بعنوان “تفاصيل” عام 2007، وتُرجمت إلى الألمانيّة، ورواية “كرسي” عام 2008. عملت وتعمل ديمة أيضًا كصحافيّة، تعدّ وتقدّم اليوم برنامج “أنا من هناك” الذي يبثّ عبر قناة أورينت.

فن: ”الخائفون“، رواية صعبة الكتابة، هكذا عبّرتِ عنها. لماذا اخترتِ سيرورة تصعب كتابتها؟

ونوس: لم أكن أعرف بأني أختار موضوعًا صعبًا للكتابة، كنت أرغب بالكتابة عن سوريا، لا عن الثورة، فقط لأني كنت أعيش فترة أشعر فيها بالألم، وعجزت أكثر من مرة أن أدخل في رواية لا علاقة لها بما يحدث. فاخترت الحديث عن أكثر ثيمة تجمع السوريّين ببعضهم البعض. حسب رأيي، هنالك 23 مليون سوري خائف عاش في سوريا قبل الثورة. سيرورة الكتابة كانت صعبة لأنني عندما بدأت، اكتشفت أن هذه السيرورة جزء من علاج نفسي لمخاوفي أيضًا، والكتابة الحساسة التي تحاول الدخول بعمق التفاصيل، هي كتابة مرهقة. فكانت تصيبني كآبة مرات عديدة، وأعيش حالات هلع وأنا أكتب. وكثيرون ممن قرؤوا الرواية أخبروني بأنهم شعروا بحالات الهلع ذاتها أثناء قراءتها، كما شعروا بالخوف. هذا مهم بالنسبة إلي، لأن جميعنا، أنا والقراء، نعود لنعيش هذه الذاكرة ونكون شاهدين على المرحلة الطويلة من الخوف الذي عشناه في سوريا.

 فن: ماذا عن الخوف ما بعد الثورة؟ وخارج سوريا؟

ونوس: للخوف أشكال متعددة، ويتجلى في ردود فعل متنوعة، حتى العنف والتوحش الذي نراه في سوريا اليوم، هو أيضًا، بمكان ما، قادم من الخوف، حتى ذلك الخوف الذي لا نبرره. برأيي، من الصعب أو المستحيل التخلص من الخوف، لأنه دخل في جلدنا، لاحقًا، تغيّر شكله فقط. أتذكر مثلاً مي سكاف، القوية، التي كتبت يوميًا عن بيت الأسد، مي الجريئة، العنيدة التي لم يوقفها أحد، في مرة من المرات سألها الضابط الذي اعتقلها في سوريا: ”إنتِ مين معلمك وليه؟!“، بشكل مهين كي تقول بشار الأسد، لكنها أجابته: ”أنا عندي معلّم واحد بس، وهو سعد الله ونّوس، وقول لمعلّمك بشار إنّه مي سكاف مانها طالعة من البلد“. لكن مي ذاتها، وفي آخر لقاء رأيتها في باريس، كانت مرعوبة، لأنهم اتصلوا بها من بلدية باريس وقالوا لها نريد أن نلتقي بك للضرورة. عندها شعرتْ أنها فعلت أمرًا خطأ، وبالتالي، هذا الخوف المزروع فيها من الدولة الأمنية المتوحشة العميق التي دخل في الهواء الذي تنفسناه، من الصعب أن يختفي حتى خارج سوريا. اليوم أنا في لندن، خائفة أيضًا، لأني أعيش في دولة قانون، أخاف لو فعلت شيئًا خطأ أن تتم ملاحقتي قانونيًا، أو أن يعتقلني أحد بسبب الضرائب أو فاتورة نسيت أن أدفعها. من الصعب أن يختفي الخوف، حتى ونحن في الخارج.

فن: ”لا ينتهي الحديث عن الخوف“، قلت ذلك سابقًا. والخوف دائم ومستمر وتتغيّر أشكاله، لكن ما الذي يروّضه أحيانًا؟

ونوس: ”تأقلمت مع الخوف، هذا الخوف الذي يأتي مثل نوبة هلع، وصرت عندما أخاف، أتصالح معه وأقول إن هذا خوف. أريد أن أخاف، وسأخاف، وبعد قليل سيختفي الشعور. هذه الوسيلة الوحيدة للتعامل معه، أن تواجهيه فقط، لأنه لا ينتهي. إنها دائرة ندور فيها، أينما ذهبنا. اليوم عندي خوف جديد لم يكن موجودًا في السابق، هو خوف المكان، أنا بلا مكان، في سوريا أنا مطلوبة، كما أن أهل والدي هدروا دمي وسرقوا بيتي الذي بنته أمي فوق بيت جدي وجدتي. عفّشوه، كان بإمكانهم أن يعيشوا فيه، لكنهم فعلوا مثل الجيش السوري، خربوا البيت تمامًا، وخرجوا. وذلك بسبب موقفي السياسي، بسبب عداء العائلة الشديد لي، تعاملت معي بوحشية وتهديدات بالقتل والعنف، كل هذه (التراوما)، كيف يمكن التصالح معها؟ بالكراهية!. أول مرة أكره في حياتي، مع أني ضد الكراهية، لكن هذه أوّل مرة أكره، وأحب أني أكره، وأشعر أنه الدفاع الوحيد عن النفس. لا يمكن أن أعيش معها، ولا يمكن أن أعود إلى الشام. لكني لست بريطانيّة ولا ألمانيّة ولا فرنسيّة… كل شهر أخاف من ألّا يكون بمقدوري دفع إيجار البيت مع ابني وأمّي، هذه المخاوف مع المكان الجديد، لو أني في بلدي لا أخاف من المكان، حتى لو كنت أعيش بالإيجار. أنا أعيش في لامكان، وهذا إحساس مرهق، ويصبح مرهقًا أكثر عندما تصبح برلين مثل باريس، عندما تخرجين من مكان، كل الأمكنة الأخرى تشبه بعضها البعض.

(c) Richard Sammour

فن: هل تعتبر ديما ونوس سيرورة الكتابة بمثابة مساحة لمعالجة الخوف؟

ونوس: كلا.. كلا، ليست لمعالجة الخوف، الكتابة هي لمعالجة الحياة. أي أن يجد الإنسان مساحته الفردية كي تنقذه من الأهوال المحيطة به. الكتابة فعل أناني جدًا، بالتأكيد، الكاتب يجلس ليكتب مع نفسه ولنفسه. بالنسبة إلي، لا أستطيع فعل شيء غير الكتابة، لذلك تساعدني ألّا أسقط باكتئاب مدوٍّ يعطلني عن حياتي.

فن: في حوار صحافي معك، قلت بما معناه إن الحياة مع والدك الكاتب المسرحي سعد الله ونّوس، جعلتك تعتقدين، كطفلة، أنها تدور حول الكتابة والقراءة. هل تغيّر هذا المنظور للحياة؟

ونوس: بالتأكيد لا تدور حولها فقط. أتمنى أن أعود إلى ذلك الوقت كي أقرأ عددَ ما كنت أقرؤه عندها. لم يعد لدينا وقت ولا أعصاب. آنذاك، كان جوّ البيت هكذا، والدي لم يفعل شيئًا في حياته سوى أن يجلس ليقرأ ويكتب، لم يضيّع لحظة من يومه بلا قراءة أو كتابة، وقراءة أكثر، ولساعات طويلة.

فن: ما هو أكثر ما يشكّل درسًا اليوم، في هذه المرحلة الزمنية، من والدك سعد الله ونّوس؟

ونوس: سواء بالعلاقة مع سوريا وعلى الصعيد الشخصي: صلابته وقوته، وكم الثقة التي منحني إياها بنفسي وبالحياة. وكم علمني أن أكون قوية وأختار ما يريحني، بغض النظر عن أية حسابات اجتماعيّة أو عائليّة أو سياسيّة. كان يدفعني دومًا لأكون في المكان الذي اختاره، في كل شيء، من حرية الجسد للروح للاعتقاد للتفكير، إلى آخره… كان يقول لي دائمًا، بإمكانك أن تعملي بالنجارة، لكني أتمنى أن تتقنيها. الحرية بشكل أساسي، هي التي تقويني اليوم بوجه أي شيء.

فن: تقرأين بالعربية والفرنسية، الروايات والنصوص، كيف تختلف تجربة قراءة كل لغة منهما مع النص بالنسبة إليك؟

ونوس: عمومًا، أقرأ بالعربية الكتب التي كُتبت بالعربية. كل ما هو مترجم من لغة أخرى أقرؤه بالفرنسية. للأسف، تجربة قراءة الترجمات العربية، مع احترامي لمترجمين كثر، ليست جيدة. فأقرأ هذه الكتب بالفرنسيّة، وأيضًا لأن الفرنسية تُرجم إليها أكثر من العربيّة. التجربة مختلفة لأن اللغتيْن مختلفتيْن، الفرنسيّة هي أقل شعريّة من العربيّة، وبالتالي هي لغة عملية جذّابة تتفاوت بصعوبتها ومفرداتها، حسب ثقافة الشخص، لكنها تغنيني كثيرًا على صعيد المعرفة، من خلالها أستطيع أن أقرأ وأطلع وأتثقف.

فن: هل يمكن كتابة الثورة السورية اليوم من خلال توثيق الذاكرة الفردية؟

ونوس: من الصعب أن يكتب الفرد عن الجماعة، وأنا بالأصل ضد التعميم. خلال المحاضرة الأولى في برلين، سألني أحد من الجمهور إن كانت شخصيات الرواية تعكس المجتمع السوري؟ كلا، هذه الشخصيات تشبه فردًا ما أو أكثر، الكتابة ليست مرآة للجماعة، بالتأكيد ترفع الكتابة من شأن الفرد الكائن البشري، وكل كائن لديه حكاية، وكل حكاية هي رواية تحكي عن أفراد وليس جماعات. في نفس المحاضرة قلت بأن الفلسطينيّين مع الوقت، أدبيًا وسياسيًا، تحوّلوا إلى قضية، مُسحوا كأفراد، اليوم عندما تقولين لي إنك من فلسطين، أتخيّل البلد المحتل فلسطين، وليس الناس. تحوّل الفلسطينيّون إلى قضية، كل العرب يدافعون عنها، لكن في كل مطار عربي، الفلسطيني كارثة ومصيبة وغير مرحب به من الأنظمة والناس. بالتالي الفلسطينيّون قضية وليسوا أفرادًا، الرواية مهمتها أن تمسح القضايا وتقدّم وتُظهر الناس والبشر.

فن: بعد سبع سنوات على اندلاع الثورة السورية، برأيك، هل ثمة دروس استفاد منها الكتّاب السوريّون من تجارب أخرى وانعكست على نصوصهم؟ بالعودة إلى إجابتك السابقة، التجربة الفلسطينيّة على سبيل المثال.

ونوس: بالإبداع، من الصعب أن يستفيد الشخص من تجارب شعوب أخرى، هذا واضح، سواء أكان بالفن السوري أم بالرواية السورية بعد الثورة، والذي هو فريد ويخصّ السوريّين. لكن، لا يمكن أن تقولي هنالك فن سوري بعد الثورة، لكل فنان هويته وطريقته وتعبيره. سياسيًا، يُستفاد من تجارب أخرى، وهذا ما لم يفعله السوريّون. اليوم، الفلسطينيّون، مع أنّه ”لحسن الحظ“، لم يحصل معهم ما حصل مع السوريّين على مدار كل هذه السنوات، لكنهم نجحوا بإيصال قضيتهم أكثر من السوريّين. طبعا هنالك عامل الزمن والخبرة السياسيّة والعناد والإصرار، وهذا يحتاج إلى أجيال طويلة كي نصل إليه.

فن: ماذا منحتك الثورة السورية؟ على المستوى الشخصي وكذلك الأدبي؟ كيف تكتبين اليوم مقارنة بكيف كنتِ تكتبين قبل الثورة وأثناء وجودك في سوريا؟

ونوس: لا أشعر اليوم أني أصبحت أكثر جرأة بالكتابة مقارنة بما كنت عليه وأنا في سوريا، لكني أشعر بأني أصبحت حرة أكثر، وذلك لأن الثورة حررتني من أشياء عديدة على الصعيد الشخصي. والثورة صنعت ثقة كبيرة عند كل السوريّين، ثقة بالذات، لأن الكائن السوري مهزوز، إلى اليوم نحن مرضى، لكن هنالك حرية ثمينة جدًا تغيّر حياتنا وتجعلنا نرى الأمور بشكل أوضح وغير مؤدلج.

فن: لربما، نحتاج باللجوء، خاصّة القسري، أن نجد مساحات نعود فيها إلى ”البيت“. كيف تعودين إلى البيت وأنت في منفاك؟

ونوس: لم أجد مكاني. والمفارقة أني عندما فقدت مكاني الأول، مع إدراكي لهذا الفقدان، لكن لم أكن أشعر أنه البيت. انتمائي الوحيد في سوريا كان الكرسي الوحيد في البيت، الذي أجلس عليه كل يوم، هو المكان الوحيد الذي أشعر أنه بيتي. لأنه كان لدي إحساس بأنه في أي لحظة يمكن أن تفقدي كل شيء، حتى لو كان البيت ملكًا لك. إحساس الانتماء الذي كان في سوريا هش جدًا، عندي على الأقل، ومع ذلك، أفتقد المكان الأول، الكرسي في بيتي، الذي لم أجده في أي مكان في الخارج، ربما في بيروت قليلاً، لكن ليس في لندن أو غيرها. ومن الممكن أيضًا مع الوقت أن تصبح كل الأمكنة هي أمكنتي المؤقتة والهشّة.

رشا حلوة

صحافية وكاتبة فلسطينية

2018-09-14T18:13:50+00:00