آخر إهداء كتبته له كان: «… نكتب لنشكرك« تركت الكتاب على مقعد سيارته، متعمدًا وخائفًا مما حسبته في حينها مبالغة، كان ذلك في بدايات الصيف، وكنا نعبر ممر مقهى «فاتشي» الذي دلني عليه ثم أصبحت لنا مائدة فيه، البعيدة في الزاوية، المغطاة بمتعلقات الأسيجة وشجرة «بنسيان»، أمامنا، وبعد أن تهبط ثلاث درجات، شجرةٌ أخرى تتهدل أغصانها مثل بكاء بعيد ومتصل، كنت رأيت شبيهتها في إحدى بلدات الوسط الأميركي قبل سنوات، شجرة معمرة تتوسط نهرًا صغيرًا وكأنها نبتت في الماء أو أنها كانت قبل النهر، قال لي مرافقي إن اسمها «الأرملة الباكية» وقالت صديقة أميركية إن بعضهم يطلق عليها اسم «الهندية الباكية».. عندما سألت صاحب البستان في رام الله، قال إنها شجرة غريبة، ليست من هنا، يسمونها في إسرائيل «العربية الباكية» نطق اسمها بـ«عبرية مشوشة».. كنا نتجه إلى مائدتنا لنجلس أمام «العربية الباكية»… تركت له اختيار المقعد فاختار ما يختاره دائمًا وجلس.

الشاعر محمود درويش والشاعر غسان زقطان، بعدسة الشاعر بشير شلش

في الليل سأقسم سلة تين صغيرة بيننا، وسأرسل له حصته مع «نهاد» كان التين يسحره تمامًا، وسنتجاهل في حديثنا، فيما بعد الكتاب والإهداء، وسيسهب في الحديث عن «التين» عن هشاشة الشجرة وبساطة الثمرة، وسيذهب في الحديث أبعد ليقارن بين عدوانية «الصبار» وعناده، وصداقة التين وتسامحه، وتجاورهما معًا في مرجعية زراعة الفلسطينيين البسيطة!

كنت سألته ما الشجرة التي سيختارها لأزرعها باسمه في حديقة بيتي في «كوبر» قال: الرمان، وأكمل، زهرة الجولنار مدهشة.. هل حاولت مرة ان تتأملها؟

فيما بعد سيسألني عن أحوال الشجرة عندما أثمرت للمرة الأولى، اتصل من باريس ليسأل هل الرمانة حلوة أم حامضة، قلت لم أعرف بعد، قال: اتركها تنضج أرجو أن تكون حلوة.

على طاولتي في البيت الآن حبة رمان مدللة لم أجرؤ بعد على فتحها أو اختبارها!

صاحب المقهى واصل حجز المائدة، والفتيان اللطفاء الذين يقومون على الخدمة واصلوا تقديم خدمتهم، عندما دخلت إلى المقهى مع فاتن ليلة تركناهم جميعًا على تلك التلة في جنوب المدينة، ربما للبحث عنه، كانت صورة كبيرة له على مقعده الخاص وكان كأسه على المائدة، وثمة شموع على طول السياج، وكانت هناك باقة صغيرة، صفراء مشربة بالبياض، شخص ما وضعها دون بطاقة بينما (العربية الباكية) بعد ثلاث درجات من الممر تواصل تحديقها الأبدي في الارضية المبللة.


صانع الذكريات

في الشهور الأخيرة كان منهمكًا، تمامًا، في الإعداد لموته وترتيب رحيله، بدأب كان ينظم مرورنا الأخير حول نومه، بدا معنيًا بالتفاصيل أكثر مما يفعل عادة، أعاد لي الكتاب الأخير الذي استعاره، «حياة باي»، لا أذكر اسم المؤلف الآن، كان بترجمة سامر أبو هواش، وهاتف معظم أصدقائه وتذكرهم واحدًا واحدًا على تلك المائدة، ذهب إلى قصر الثقافة في جنوب رام الله وأحيا آخر أمسية شعرية له في بلاده، قرأ «لاعب النرد»، وقف أمام جمهوره ليقدم اعتراف الشاعر وحكمته، كان أوصى المنظمين في بلدية رام الله بتوزيع بطاقات الدخول على الناس وليس على الخاصة، والتقليل، قدر الإمكان، من الرسميين وساكني الصفوف الأمامية، وكان معنيًا بذلك، ذهب إلى بيت العائلة في «الجديدة» نام في المنزل وحلق ذقنه على مرأى من أخوته،، التقى بصديق في حيفا وطلب منه أن يواصل الكتابة…

كان يرتب ذكرياته بدأب الذاهب تاركًا إشاراته في المكان معنيًا بأن لا ينسى، وهو صانع الذكريات الأمهر، الأسماء والوجوه والضحكات التي رنت في غرف بعيدة، مغامرات المدن البعيدة، المغامرات الصغيرة التي أثثت حياته، ومنحت تلك المدن أسماءها وروائحها، الموتى والأحياء، الأصدقاء الذين صاروا خصومًا والمرارة التي يتركها المتعجلون في حواشي الحكاية…، كل هذا كان قابلاً لأن يجمع ويحزم ويحفظ.

خيط من الرضى لمع في صوته عندما سألته: «من سيذهب معك إلى هيوستن» قال: «أكرم.. وصديق قديم لا تعرفه اسمه علي»، قلت: «هل حسم الاطباء أمر العملية؟» قال: «تركوا الأمر لي» قلت: «وماذا قررت» ضحك قبل أن يقول: »أنا موافق ولكن إلياس خوري لا يريد ان أجريها».

لم يكن معنيًا في زيارته الأخيرة لـرام الله بالأفكار الكبيرة والعناوين والأحكام المطلقة، كان مشغولًا حد الدهشة بالتفاصيل وكأنه يحاول تفسير خجله وتذكر أخطاء لم تحدث، أخطاء لم يرتكبها حقًا.. وكان يوزع أعذارًا على الآخرين، أعذارًا تمكنّهم من العيش بعده دون ندم!

وبدا أننا نتبادل الأدوار لمرة واحدة، كأن أرعاه لساعات قليلة وأن أُنزل عن كتفيه، في هذه الأمسية، أعباءنا جميعًا.

هل أخبرتك أن «أكرم» سيرافقني إلى «هيوستن»، من جديد لمعت رنة الرضى في صوته، تلك التي تشبه اتكاءه على كتف، قلت: لا…

كان سعيدًا، أيضًا، بإيقاع قصيدة كتبها في الأيام الأخيرة، وعلى غير عادته، تمامًا، بدأ يقرأ، كنا ثلاثة هو وزياد وأنا وثمة امرأة رابعة تجلس وحيدة، دون سبب، تحت «العربية الباكية»، فيما صوته، صوته الذي يتراكم في أرواحنا منذ خمسين سنة مثل انحسار متتابع للعتمة، يرتفع.

بالزنبق امتلأ الهواء

كأن موسيقى ستصدح.

لـم يعد سرًا

كان يجلس في المقعد الأمامي وكان يمكن تأمل وجهه من النافذة الجانبية مستغرقًا في قراءة الصحيفة، حينما توقفت السيارة السوداء بانتظار مرور موكب صاخب لعرس قادم من ريف رام الله، ذلك ما كانت تشي به باصات الفورد الصفراء المغبرة والمتعجلة أبدًا وسيارات النقل الصغيرة وحافلة ممتلئة حتى الحافة بالأولاد الذين تبرق عيونهم خلف الزجاج، والنساء المخطوفات في غناء كأنه حيلة أو سلم نجاة.

سمح لي ذلك التوقف بأن ألمح من مكاني على الرصيف القريب من زجاج نافذته عنوان المقال الذي يقرأه، وياقة المعطف الكحلي والانسياب الجانبي لوجهه وباقة زهر أصفر ملقاة على المقعد الخلفي.

في ذلك اليوم المبكر من آذار قبل عيد ميلاده بأيام قبل سنتين أو ثلاث كان مستغرقًا تمامًا في قراءة الصحيفة، بينما عرس ريفي يطلق أبواقه في أحد منعطفات رام الله، قبل أن يواصل طريقه مبتعدًا نحو شارع “السهل”.

لم أطرق على زجاج النافذة ولم ينتبه لوقوفي، بقيت الحادثة بالنسبة إلي مثل سر شخصي لا مبرر له، وكأن مجرد سرده أو افشائه سيفسد المشهد برمته! ولكنه كان كافيًا وضروريًا لأن أهتدي فجأة الى أننا نعيش في مدينة يمكن أن تصادف فيها محمود درويش في عبور سريع نحو منزله، أو وهو يصعد متمهلاً الدرجات المؤدية إلى مكتبه في الطابق الثاني من مركز السكاكيني، أو دخوله المتردد إلى مائدته على المقهى وكأنما فاجأ نفسه هناك، أو وهو يتكئ متعبًا ومبتهجًا على المنبر في قصر رام الله وخلف ظهره تتراكم العتمة على التلة التي سيصلها بعد أيام محمولًا وخجولًا إلى أبعد حد..!

المطر الخفيف الذي بلل الرصيف والمارة وسيارات العرس والرجل الواقف على الرصيف، محا كل شيء سوى “البروفيل” المستغرق خلف الزجاج الذي واصل مروره الاستثنائي في تلك الصبيحة، كأنما ليؤكد حدوثها، بينما تتبعه في الهواء النظيف باقة مبللة من الزهر الأصفر المشرب بالبياض!

*كتبت هذه المقالة في خريف 2008.

شاعر وروائي فلسطيني

2018-08-08T15:37:33+00:00