“لا ماء يرويها”، رواية ستشعر عندما تنهيها بأن لها من اسمها نصيب، فعلى الرغم من صفحاتها ال 256 إلّا أنَّك ستبقى عطشًا، راغبًا بالمزيد من الاستفاضة والصفحات والفصول، خصوصًا وأنَك ستتعلق بـ “حياة”، هذه الشخصية البسيطة جدًا والمركبة جدًا في الوقت ذاته، وكأنَّ لها هي الأخرى من اسمها نصيب.

رواية نجاة عبدالصمد الصادرة عن منشورات “ضفاف” في بيروت ومنشورات “الاختلاف” في الجزائر تحكي عن السويداء وحياتها الهائمة بين أعلى قمم “جبل العرب” وأسفل منحدراته على مدى النصف الثاني من القرن الماضي.

بين ست شوكات في الحلق، أقصد، ست فتيات، وأخوين، “ممدوح” الذي أضاع أحلام أبيه في الهندسة وهرب إلى باريس، و”عناد”، آخر العنقود، الذي لا يجد طريقة لرد تهمة النعومة عنه إلّا بالقسوة والجلافة، تكبر “حياة” وهي تفقع بلالين العلكة في وجه أمّها، وتضحك في الحصص على رؤوس الأساتذة المستديرة كمؤخرات الدجاج وهي تبيض. هذه الفتاة تربكك خلال القراءة، فهي لا توحي لكَ بأنَّها مكتئبة، على الرغم من أنَّها أطلقت قهرها كله وهي تلد ابنًا لرجل وهي تسب رجلاً آخر لم تستطع نسيانه، لا توحي لك بأنَّها سعيدة أيضًا! ليست مغرورة على الرغم من ممارستها الصدّ للرجال بغرور، وليست ذليلة على الرغم من توشّحها مرة بالسواد لتدقَّ على أبواب الناس، وتشحذ منهم ما اشترت به فستانًا أسود كانت تحلم به.

كنساء الجنوب تنال حصتَّها من العطش، تحلم بـ “ناصر” الذي أقسم بصخرة الروشة أنَّها لن تكون إلّا امرأته، فنسي الروشة وبيروت وانكسر مع أول معارضة واجهها من أمّه، وهام وراء حبّه الآخر، “فتح” التي جذبته ليكون السوري الفدائي الهائم في حب فلسطين، الملقّب ب “سبع الجبل”.

سرقته التدريبات والتأهيلات النفسية في ألمانيا، وعاد يفكك العبوات الناسفة تحت الأسرّة وحقائب السمسونايت، ثم ذهب مع الذين ذهبوا بعد اجتياح اسرائيل لبيروت عام 1982 إلى تونس، ومنها إلى بوخارست، و”انساح على الأرض كالهلام، كالفضة الذائبة” وابتعد عن حبيبته التي ما سلته يومًا.

أما وصف الهلام والفضة فقد أتى في ص.53 في موضع لا يشبه الاغتراب، ولكنَّ حب الحبيب/ة في الرواية لا يختلف كثيرًا عن حب الوطن، الاغتراب، الفقد، الارتحال، فكل ما ذكُر مجرد خيوط تتشابك في نسيج واحد يشبه الشال الذي نسجته “حياة” لأمّها بأصابع منهكة، “لتأخذ مقابله شادرًا مثقوبًا” ص.23.

نجاة عبد الصمد، تصوير رامي العاشق، مجلة فن

في لغة رمزية حادّة كالسهم الذي يتجه مباشرة إلى منتصف هدفه، تحكي عن اليوميات بتفاصيلها، وسط جفاف سياسي يخاف فيه الناس من تمثال رئيسهم بيده المرفوعة تهديدًا ووعيدًا، وتقاليد مجتمعيّة تائهة بين الخرافات والعين ومرويات الجدّات وأساطيرهن، تغوص في طقوس قطف الزيتون الأخضر قبل المطر والأسود بعد أول شتوة، تجفيف التين وإحصاء الدجاجات وإنتاجها، والتصفيق في الغرف الصفية كلما همّت فتاة بالانتقال من بيت أبيها إلى بيت زوجها، حاملة على ظهرها طفولة مزينة بجهاز وفساتين نوم مزركشة.

تنتظم أصوات الشخوص وكأنَّها على نفس واحد على الرغم من تناقضها الشديد، تجشؤ خليل الحامض كالأسيد، تأنيب صديقتها الطبيبة “أرجوان” لـ “حياة” على تكرار حَمْلها، سخرية أمّها من “شراطيطها” التافهة، وأم حبيبها تصفعها بـ “ناصر تزوج وصار في ألمانيا”، كل هذا يذوب حزنًا، وينسكب بهدوء كنهر يزيد العطش مع الكلمات التي تصدح بهدوء من الكاسيت “نتالي، قطعت أخبارا ما تشوفا عين، قالولي بعيد سفارا قالوا بلادا زين”.

وفي البلاد التي ليست “زين”، تستمر النساء في استقبال الخيبات، كالعمة “زين المحضر” التي طلّقها زوجها الشيخ لأنَّه اكتشف أنَّها تبيع هدايا الجارات لتشتري راديو، وترسم حياة “حياة” على حيطان السويداء “المكتملة بازلتًا أبيّا ونبيذًا مقطورًا” ص.147 ، تهيم بحملها الرابع بفساتين دون خصر..

هذه البلاد المفصومة تفصم أهلها معها، فنجد “حياة” تكره زوجها ولا تطيق قربه، وعلى الرغم من ذلك فإنَّها تتحسر مشمش أربعينها الفائر بجانب ضعف ستينه.

تكره اضطرارها لشراء البطاطا بالدين، ولا تتذكر متى أكلت اللحم آخر مرّة، ثم تختصر علاقته بها بحوار بسيط من جملتين، حين قالت له: “وأنا يا خليل أريد أكل اللحم”، فأجاب: “انت ما بتفهمي؟ كل ما أكله سيعود في الليل إليك وحدك من هنا”، وأشار إلى أسفله” ص.86 ، ثم تهرب إلى بيت أهلها لأنَّها رفضت أن تدور حول فراشه سبع دورات تسأله فيها إن كان يريد شيئًا ص.156.

تنجح نجاة في خلق مشاهد بصرية متقنة وتنحت وجوه شخصياتها حتى تكاد تراها وأنت تقرأ مثلاً:

“كان في وجهها فراغ يمكن ملؤه بألف رسم” ص78، “احمرَّ وجهه وانكمش ككوز الشمندر المسلوق” ص88 ، “غطوا وجهها بالشال الزهري طوال رحلتها” ص93

ويُحسب لنجاة أنَّها تركت فسحة للقارئ ليبني مشاعره الخاصة تجاه “حياة” ومن حولها من شخوص، فهي لا تلوم أمّها التي كانت تخبئ الأغطية في عزّ البرد عن أطفالها كي لا يتلفوها/ص.82، ولا تغضب لأنَّ النمل أكل البسكويت المخبأ أيضًا عن الأفواه الجائعة ص.191، بل وتعدّ لزوجها مازته “بأقل كره ممكن” ص.153، فهل من الممكن تصوّر حياد شخصية كهذه؟ ربما كان هذا الحياد مع طاقتها النابضة هما السر بتكوين شخصية فريدة لـ “حياة”، التي انتهى بها المطاف مطلّقة محبوسة في غرفة “الكَرَش” عند أهلها، كأي غرض زائد عن حاجة المنزل، وذلك بعد أن قرأ الزوج ما لم يعجبه في “دفتر الخرابيش” خاصّتها.

لفتني جدًا أنَّ كلمة “الخرابيش” جاءت مرادفة بشكل ما لكلمة “مذكرات”، باعتبار أن الدفتر كان “دفتر مذكرات”، كم كمُّ الخرابيش التي كانت داخل رأس هذه “الحياة” التي عاشت تحتال على ركاكة الفساتين بالتطريز على رقبتها، لن يعلم أحد! ولا حتى غرفة “الكَرَش” التي تبتلع أصوات مداعبات العشاق ونمائم النساء في المدينة منذ الأزل، وتبقى عطشى!