يترك (زياد) حياته الميسورة في العاصمة الأردنية ويستمرئ حياة الصحراء والجفاف، بينما يهرب شاب آخر من الأردن لينضم إلى داعش في سوريا، ويدعي ثالثٌ اغتصاب حبيبته كي يتزوجها فيقتل على يد أهلها. في هذه الأجواء تدور أحداث رواية “نزف الطائر الصغير” الصادرة مؤخرًا عن منشورات ضفاف ومكتبة كل شيء للروائي الأردني الفلسطيني قاسم توفيق. مجلة فن التقت بتوفيق في عمّان وكان معه الحوار التالي:

قاسم توفيق (فيسبوك)

فن: حياة (زياد) تتسع وتنكشف على آلاف الاحتمالات والأجوبة، ثم تعود لتنغلق على نفسها، وتتكرر مرّة بعد مرّة. ما هي المرحلة التي تعتقد أنّنا نمرّ بها حاليًا؟

توفيق: نحن أمة تعيش في حالة دوران، والدوران ليس سوى الثبات، لا خطوة للأمام، بل عشرات الخطوات إلى الوراء. ما زال الماضي يفرض علينا وجوده كمسلمة لا يسمح نقاشها. ثباتنا في النقطة صفر، موقف مُتعمّد لتعطيل العقل والتفكير، بوسائل تستعملها الطبقة المتحكّمة لتحقيق استمرارية الواقع المنجز لمصالحها، وضد مصالح الشعوب.

فن: هناك تقاطعات ملموسة للقارئ بين شخصيتي (زياد) و(فهد)، وخاصة في الطريقة التي أدار بها كل منهما مونولوجاته الداخلية، برأيك، ما الذي جعل (زياد) يهرب من اللاعدالة نحو الصحراء و”دير الما”، ودفع بآخر مثل (فهد) لينضم إلى داعش؟

توفيق: ما كنت أراه منذ البداية في شخصيتي (زياد) و(فهد) ليس تقاطعًا فقط، بل اندماج وتوحّد، فقد كنت أراهما شخصية واحدة. ليست التشابهات الوصفية هي ما تصنع تقاربًا بين الشخصيات، بل فهم الشخوص لمعنى حيواتهم ووجودهم. عندما بدأتُ بالكتابة عن تشكّل (زياد) الجنيني، أسهبتُ في شرح خلقه وتشكّله، أردت أن أشير نحو فعل إنساني موحّد، ما يحقّقه حيوان منوي ضئيل من تفوّق على الملايين التي تشبهه في رحم الأم، يعطي الأيحاء بأن أساس وحقيقة الحياة هو الصراع، وخوض معركة ينتصر فيها الأقوى.

أما الخلاف الذي بين الشخصيتين فقد كشفه سؤالك، خلاف أساسه مسألة اللاعدالة، فلو كان هناك استخدام صحيح للعقل لكان حال العالم أجمل. نحن أمام مسألة إنسانية، حيث بهيمية ووحشية المتحكمين تفضي إلى كل هذا التشويه لقيمة العقل.

فن: القانون بوصفه شكلاً من أشكال تطبيق العدالة في المجتمع فشل في جمع عاشقين حاولا الزواج باستخدام أحد بنوده لصالحهما، وانتهى بسفك دم الشاب بقصة ملفّقة، هل تعتقد أنَّ القانون في الدول العربية يعزز اللاعدالة؟ وأين المهرب إن كان القانون لا يحمي لا المغفلين ولا غيرهم؟

توفيق: القوانين بكل أشكالها لم تكن إلّا لخدمة مرحلة ما في التاريخ، آفتها أنَّها لا توضع من قبل الحكماء، بل من قبل المتحكمين، لتحقيق أهدافهم الذاتية وإحكام سطوتهم على الناس، وإن حاولوا تجميل الأمر، يمكننا أن نثبت ذلك من خلال قراءة تاريخ البشرية. حتى القوانين التي أفرزها عصر النهضة، وإن زادت قليلاً من العدالة بين البشر إلّا أنَّها بقيت مسخّرة لمنفعة هذه السلطات. مثال ذلك وضع أوروبا الخارجة من عصور الظلام الوسطى لقوانين تبيح الاستعباد.

فن: على الرغم من تضارب الأرقام بخصوص الأردنيين المقاتلين تحت لواء داعش في سوريا، هل تغيرت شخصية المواطن الأردني في كتابات قاسم توفيق بين مرحلة ما قبل داعش، وما بعد داعش؟

توفيق: لا أعدُّ مرحلة “داعش” مرحلة طارئة أو مستحدثة. هي واحدة من كثير من المراحل التي عايشناها عبر تاريخنا، قد تكون أكثر دموية لأن أدواتها، ومسبباتها، أكثر تطورًا. كل من عرف سيرة “داعش” يفهم أنَّ من صاروا يدّعون محاربتها هم من أوجدوها. مسألة انتشار “داعش” صنعتها ثقافة التجهيل والتعصّب التي تكرسها الحكومات. هي الثقافة ذاتها التي ضيعت السودان، وأغرقت مصر في معارك طائفية، وهي التي تشعل اليمن المسكين اليوم. لم يتغير شيء، هي التركيبة الفكرية والاجتماعية ذاتها التي أنتجت رواياتي كلها.

 

فن: ذكرت مرّة أنَّ الشعوب تعلّمت أنَّها قادرة على الإطاحة بديكتاتور والإطاحة بمن بعده أيضًا، من هو الدكتاتور الأعظم برأيك في مرحلتنا هذه؟

توفيق: الجهل، والمبالغة في تمجيد الذات. وصل القهر بالمواطن العربي حد الهاوية، لقد ملّت شعوبنا من القيود ولم يعد عندها ما تخسره، ما فات على فهم المتحكمين، بأن تجارب مثل “الربيع العربي” تفتح أبوابًا واسعةً إلى التحرر، لم يكن الإنسان العربي من قبل يفكر بأنَّه موجود، فقد سلمت الناس أمرها للحكومات ولله، لكن ما حدث فعليًا هو أنَّ الناس قد صارت تعبر مرحلة الانتباه.

فن: في الرواية يحكي (فهد) عن بدايات تعارفه على الفيسبوك مع (أبو مصعب) الذي كان حلقة وصله مع داعش. هل تعتقد أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي أثبتت قدرتها على تغيير بنية الفكر المجتمعي عمومًا بشكل أسرع من الكتاب؟

توفيق: مواقع التواصل الاجتماعي ليست سوى فسحة للتعارف والتنفيس، وهذا الجانب الأخير “التنفيس” هو ما يجعل الحكومات تسمح بوجودها ولا تقوم بمنعها مثلما كانت تفعل مع الكتب. ما يحدث أن الحكومات بامتلاكها السلطة على آليات ومواد مواقع التواصل، هي المستفيد الأكبر منها، مثال ذلك ما حدث في تركيا “الديمقراطية” عند محاولة الانقلاب التي وقعت ضد أردوغان، وكذلك استعملها مبارك أيضًا في آخر أيام حكمه.

نيرمينة الرفاعي

كاتبة وروائية أردنية

2018-06-10T15:53:27+00:00