يعتبر اللغة وطنه، والكلمات أفضل المنافي، وأن المكان في داخل الذات الإنسانية؛ وليس مجرد مساحة جغرافية.

للشاعر اللبناني وديع سعادة أكثر من اثنتي عشرة مجموعة شعرية، وهو أحد أبرز الشعراء الذين شكلوا موجة جديدة لقصيدة النثر منذ سبعينيات القرن الماضي، تخلّى عن الشعر الموزون، وطوّر في تقنيات القصيدة، وتوسّع في المعجم الشعري، وأضاف عناصر ومفردات جديدة لم تكن موجودة قبل ظهور المدرسة اللبنانية الجديدة بعد الخمسينات وما بعد ظهور مجلة “شعر”.

الشاعر وديع سعادة (C) Danielle Kassouf Beaini

فن: غلبت على جميع أعمالك مناقشة فكرة الموت والعزلة ورغبة عارمة في استرداد الماضي، هل لعزلتك هذه علاقة باسترجاع الماضي الذي كثيرًا ما تحن إليه؟ أم أنها باب للتأمل وإدراك الذات؟

سعادة: لا أظن أن أعمالي تغلب عليها رغبة استرداد الماضي بقدر ما تغلب عليها رؤية الحاضر واستشراف المستقبل بما يحملانه من ألم وظلم ورجاء. وإذا كانت ثمة رغبة في استرداد الماضي في شعري فهي رغبة استرداد براءة طفولة أفلتْ. أمّا بالنسبة إلى العزلة؛ فأعتقد أننا جميعنا في عزلة ولو كنا بين جمهور. وليت هذه العزلة تكون لنا جميعًا بابًا للتأمل وإدراك الذات.

فن: في مجموعتك الشعرية “تركيب آخر لحياة وديع سعادة” ماهو العالم الذي أردت صنعه كإنسان وكشاعر؟

سعادة: أردتُ أن أصنع الحياة التي أحلم بها، لكنّ ذلك ليس سوى حلم ووهم.

فن: يقول أنسي الحاج إنه غامر بكتابة قصيدة النثر لكسر القوالب السائدة، وأنت مزقت قصائدك لتبحث عن فضاء أوسع وأكثر حرية، هل نفهم من هذا أن قصيدة النثر العربية قد نمت بفعل حافز التمرد والتوق للحرية ولا علاقة لها بتأثر بكتاب قصيدة النثر الأوربيين والذي كتبوا الشعر الحر في مرحلة مبكرة؟

سعادة: نعم مزّقتُ قصائدي العمودية، وكتبت قصيدة النثر بحافز التمرد والتوق إلى الحرية، وأعتقد أن كل شعر هو تمرد وتوق إلى الحرية. أنسي الحاج وشعراء مجلة “شعر” كتبوا قصيدة النثر بالحافز ذاته، وفي الوقت نفسه متأثرين بالشعر الغربي وبنظرية سوزان برنار، مركّزين في الدرجة الأولى على الشكل لهذه القصيدة، أما الذين أتوا بعدهم فنحوا صوب الحداثة بمعناها الأشمل.

وديع سعادة: الأمكنة كلها أصبحت منافي

فن: قلت إن المكان ليس مساحة جغرافية، ولكنك حاولت أن تعوض رائحة تراب قريتك بمزرعة صغيرة في بيتك باستراليا، كما أن الحنين والكتابة عن الوطن والماضي تملأ معظم إعمالك، كيف تفسر هذا التشظي -اذا جاز ان نسميه هكذا- بين قناعاتك ومشاعرك؟ وهل النص الشعري شكل لك وطنًا بديلاً ولو متخيلاً؟ بمعنى هل يمكن ترويض المكان باللغة؟

سعادة: أرى أن المكان هو مساحة داخلية وليس مساحة خارجية. إنه في داخلنا وليس في الخارج ونحمله معنا أينما ذهبنا. أما جغرافيًا، فلا أظن أن أحدًا لا يزال يمكنه القول عن أي مكان جغرافي إنه مكاني الحقيقي، ما يعني، على نحو ما، أن الأمكنة كلها أصبحت منافي. المزرعة الصغيرة في بيتي في أستراليا قد تكون التعويض الصغير، الافتراضي، عن المكان الغائب، أما الشعر فهو، بمعنى ما، التعويض المتخيَّل عن هذا المكان.

فن: بعد ما يقارب سنوات طويلة من الشعر وسنوات طويلة من الغربة، هل لا يزال “المساء بلا أخوة”؟ وهل لا يزال الضياع الجوهري والأصلي الذي تحدث عنه صديقك عيسى المخلوف مستمرًا لديك؟

سعادة: كان المساء بلا إخوة، ولا يزال. ورغم السنين والتجارب والاغتراب والعوالم واللغات، لا يزال الضياع. ولا يزال الشعر بحثًا مستمرًا في ضياع مستمر.

وديع سعادة: إذا كانت الرواية تتقدم على الشعر في الاستهلاك فلا يعني ذلك أنها بالضرورة تتقدم عليه في الأدب.

فن: من يأخذ الآخر إلى النهاية أنت أم القصيدة؟

سعادة: القصيدة بالتأكيد. فللقصيدة كيان مستقلّ وقد يكون أكثر استقلالاً وحرية من كاتبها.

فن: هل غيبت الرواية الشعر في ظل هذا الإسهاب الكبير في نشر الرواية، وهل نحن الآن في زمن الرواية أم الشعر؟

سعادة: لا أرى هذا الزمن هو زمن الشعر ولا زمن الرواية ولا زمن الأدب عمومًا. وإذا كانت الرواية تتقدم على الشعر في الاستهلاك فلا يعني ذلك أنها بالضرورة تتقدم عليه في الأدب.

وديع سعادة: لا شك أن الديكتاتوريات يجب خلعها، لكن للأسف ما حدث كان غير ذلك.

فن: هل تتفق مع أدونيس الذي يقول نريد تغيير المجتمع قبل تغيير الأنظمة؟ وبماذا تفسر تمترس أسماء كبيرة في الأدب خلف أنظمة أبادت شعوبها وأدخلت بلدانها في متاهة الحروب والصراعات تحت مبرر أن من خرجوا في 2011 في بلدان الربيع العربي هم من قلبوا الطاولة على الجميع؟

سعادة: المشكلة في الثورات العربية أنها انطلقت بمطالب محقة، لكنها استُغلّت فخلّفت دماء وتشرّدًا وتهجيرًا وأنقاضًا وديكتاتوريات أخرى. لا شك أن الديكتاتوريات يجب خلعها، لكن للأسف ما حدث كان غير ذلك.

فن: ماهي الآليات التي يحتاجها المثقف العربي ليقود فكرة بناء لا أن يُقاد نحو فكرة جاهزة؟

سعادة: على المثقف أن يقف دائمًا موقف المدافع عن الحرية والديموقراطية والحق والعيش الكريم وأن يكون الناقد والمحاسب لأية سلطة أو قوة تنتهك هذه القيم، وأن لا يحيد عن ذلك مهما كانت المغريات.

فن: هل الوعي السياسي مرتبط بالوعي في كتابة الشعر خاصة وبقية الأجناس الأدبية عامة؟ وباعتقادك لماذا يتحول الشاعر إلى سياسي ويكون تابعًا له بدلا من العكس؟

سعادة: الوعي السياسي مرتبط بالوعي الشعري، لكن ذلك لا يعني أن يتحول الشاعر إلى سياسي أو أن يكون تابعًا لأي سياسي بل أن يبقى الناقد والمحاسب.

شاعرة يمنية

2018-08-04T12:39:17+00:00