في نيسان/ أبريل الماضي، احتفل مقهى “بلبل برلين” الموجود في حيّ كرويتسبرغ بمرور عامٍ على افتتاحه، المقهى الذي يبحث عنه كل من يصل برلين، قادمًا من البلاد العربيّة، ليكتشف هذا الفضاء الذي أصبح معلمًا من معالم المدينة، لصاحبه نضال بلبل، ابن حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة، والذي عمل لسنوات كصحافيّ في مدينته، خسر خلال ممارسته لمهنته قدمه اليُمنى أثر الاجتياح الإسرائيليّ لمخيّم برج البريج في كانون الأوّل/ ديسمبر 2007.

عمله بالصحافة، حمله إلى ألمانيا عام 2010، ضمن فرصة للتدريب الصحفيّ في قناة تلفزيونيّة ألمانيّة، متوقعًا أن ينهي تدريبه ليعود إلى غزّة عن طريق مصر، لكن تعلّقه الفوريّ ببرلين، رسم له مستقبلاً مختلفًا، فبعد عمله لسنوات في الصّحافة، قرر نضال أن يفتتح مشروعًا ثقافيًا متجسدًا بمقهى في أحد الأحياء المركزيّة للمدينة.

نضال بلبل، خسر قدمه اليمنى أثناء ممارسته لمهنته. بعدسة رامي العاشق، مجلة فن

أطلق نضال اسم “مقهى بلبل” على المكان، حيث يحمل اسم عائلته كما اسم طائر البلبل، “بإمكان سماع تغريده من المقهى، وذلك لأنه موجود في حديقة غورليتسر القريبة منه”، يقول نضال. مع مرور الوقت القليل نسبيًا، أصبح المكان بمثابة ملتقى عربيّ، أصدقاء وصديقات قادمون وقادمات من بلاد عربيّة عديدة، اختيارًا أو قسرًا، يجدون في “مقهى بلبل” فضاءً يشبه مقاهٍ وبارات انتموا إليها في بلادهم، وقصدوها دومًا.

يحمل “مقهى بلبل” اليوم هويّة صاحبه والثقافة التي جاء منها، كما هويّة زائريه، سواء من خلال الموسيقا والأغاني التي تُسمع في المكان، أو من خلال قائمة الطعام. هذه الأجواء طبيعيّة وامتداد ذاتيّ لصاحب المقهى، عن هذا يقول نضال: “أؤمن بأنك عندما تريدين أن تفعلي شيئًا ما، وخاصّة عندما تؤسسين لمساحة ما، يجب أن تعطي صورة عن شخصيّتك والمكان الذي جئت منه. لا يمكنني أن أفتتح مطعمًا إيطاليًا وأن أقدّم كوراسون، أردت وأريد أن أحكي للعالم قصّتي وقصتنا من خلال موسيقانا وثقافتنا وطعامنا. اليوم، لدينا بوفيه أسبوعيّ، كل يوم أحد، يقدّم أطباقًا متنوعة من طعامنا العربيّ”.

 بالإضافة إلى البوفيه الأسبوعيّ ووجود أطباق متنوعة من الحمص والسلطات العربيّة، كالفتّوش والتبولة، يقدّم المقهى يوميًا طبقًا عربيًا مختلفًا، يطلق عليه اسم “الطبق الدافئ”. يعتبر نضال أن الأكل العربيّ بالعموم،  كساندويشة الفلافل أو صحن التبولة، بالإمكان إيجاده في مطعم ألمانيّ أيضًا، ويضيف: “طبعا طريقة عمله تختلف، لكن الطعام يجلب الدفء، خاصة “الطبيخ” منه، كالمقلوبة أو الشاكريّة أو المنسف، كل طبخة تحملك إلى مكان آخر، تسافر من خلالها إلى بلدك. وهي تعطي روحًا إضافيّة للمقهى، تمامًا كما الموسيقا التي تُسمع هنا والكتب المتنوعة والقادمة من بلاد عربيّة عديدة. يفاجئني دومًا لقاء زائرين للمكان يعرّفون عن أنفسهم: أنا فلسطينيّ من مالمو، أنا عراقيّ من فرنسا.. كانوا قد سمعوا عن المقهى فوصلوا إليه، أو مرّوا بجانبه وقرؤوا اسمه بالعربيّة ودخلوا. حتى هنالك من يأتي خصيصًا لزيارة المقهى من خارج برلين، من أوروبا وليس فقط من العالم العربيّ، سمعوا عنه وجاؤوا لاحتساء القهوة وتذوّق الطعام فيه”.

كلّ من عرف “مقهى بلبل” منذ افتتاحه، يستطيع ملاحظة أن المكان يأخذ له، مع مرور الوقت، أشكالًا عديدة، يرى نضال بلبل أن المقهى تطوّر، وأن كل زاوية منه تحكي قصّصًا عديدة، ويضيف: “أصبح المقهى مرتبطًا بأكثر من حكاية واحدة، هنالك أشخاص التقوا فيه، وهنالك من افترقوا في المكان، هنالك من زار المدينة وأخذ انطباعًا عنها أكثر من خلال المقهى، وهنالك من يحلم بزيارته. والناس هم جزء أساسيّ من حكاية المكان. كما وأنّه يحاول أن يكون بيتًا ثانيًا للناس، بيتًا يحبّ الناس أن يقرؤوا ويأكلوا ويشربوا فيه، خاصّة العرب الموجودين في الغربة، الحاجة للخروج من جدران البيت المحيط إلى بيت آخر يحكي فيه الناس لغتك، وتشعرين بأنه بيت بديل عن بيتك الأوّل، بشكل أو بآخر”.

نضال بلبل، إيراهيم مرازقة، غياث المدهون، أوليانا وولف، توماس كوهن، سيا رينني، رشا حلوة وأسماء عزايزة أمام مقهى بلبل. تصوير رامي العاشق، مجلة فن

مع كل التفاصيل الجميلة والدافئة التي يوفّرها، يمرّ “مقهى بلبل” بتحديات يوميّة، مجسّدة بالجانب الماديّ من جهة، وكذلك بتصاريح قانونيّة ينتظرها ليتمكّن من إقامة نشاطات ثقافيّة وفنيّة فيه. “مع الوقت، يحتاج المقهى لأن يؤمن نفسه ويستمر، افتتاح مقهى يحتاج إلى أموال، لكن ماذا بعد؟ هل يمكن للمكان أن يستمر؟ الحلم مكلل بعقبات عديدة، والعديد من علامات الاستفهام في رأسي، هل أنا قادر على الاستمرار؟ مع ذلك، إيماني بنفسي يقول نعم، بأني قادر على إيصال المقهى إلى الصورة التي أريدها”.

برغم العقوبات والتحديّات اليوميّة، والحاجة إلى خطّة عقلانيّة بعيدًا عن العاطفة تجاه المكان، يرى نضال بلبل أن أجمل ما في المقهى هي ملاحظة كيفية التقاء الناس ببعضهم البعض، “أحيانًا تزور المقهى مجموعات مختلفة، كل مجموعة تجلس حول مائدة ما، وبعد ساعات قليلة، تجتمع المجموعات سويّة يتحدثون عن مواضيع عديدة، بغض النظر عن جنسياتهم ومعتقداتهم. عندما أرى فتاة وشابًا التقيا في مكان ما في العالم، ويلتقيان من جديد صدفة في المقهى، عندما يصل شخص إلى المقهى ويتفاجأ بوجود صديق قديم فيه لم يره منذ سنوات، كل هذه القصّص تؤثر بي وتحمّلني الكثير من المسؤوليّة كصاحب مكان، فعلى الرغم من الصعوبات، من المستحيل أن أفقد الأمل تجاه المقهى واستدامته، وعند التفكير بهذه القصص، أمحو من رأسي كل علامات الاستفهام”.

يرى نضال أنّ العالم الذي نعيشه فيه اليوم مليء بالعنصريّة والنزعة لإلغاء الآخر، ولذلك يرى بأن توجه “مقهى بلبل” الأساسيّ بأن يفتح بابه للجميع، هو الرّد الأوّل على العنصريّة في العالم. ويضيف نضال: “باب المقهى مفتوح لكل الناس، بغض النظر عن جنسياتهم وألوانهم وجنسهم وخلفياتهم الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ودياناتهم، وحين يرى أيّ إنسان عنصريّ هذا المشهد الحقيقيّ والطبيعيّ، عليه أن يعيد التفكير في نفسه ومعتقداته”.