يعتبر الدكتور محمد شحرور من أكثر المفكّرين الإسلاميين المعاصرين الذين أثير الجدل حولهم بشكل جذري وقطعي، فإمّا معه أو ضدّه، بعضهم الأوّل يراه محدّثًا وصاحب مذهب جديد، لقّبه بمارتن لوتر الإسلام، وعوّل على فهمه للكتاب المقدّس ونقده للتراث، أما بعضهم الآخر فقد رأى فيه مهرطقًا كافرًا خارجًا عن الملّة، يريد ليّ عنق النصّ المقدّس ليتناسب مع أفكار الغرب. هذا الانقسامُ لم يكن فقط بين أوساط المؤمنين، بل حتى بين أوساط اللادينيين، بعضهم عوّل عليه لطرح نموذج حديث من الدين يمكن له البقاء دون أن يعادي العالم، والبعض الآخر رأى فيه رجلاً يريد إصلاح ما لا يمكن إصلاحه، فمشكلة الأديان في النصّ وليس فقط في فهمه وتطبيقه.

بين هؤلاء وهؤلاء، ارتأت مجلّة فن أن تحاور الدكتور شحرور في قضايا جديدة قد تفتح مجالاً لحوار أوسع وأبعد في أمور كان مسلّمًا بها.

مجلّة فن: استند “الفقهاء” إلى القرآن والسنّة لتحريم الغناء والموسيقا والنحت والشعر، وذكرتَ في رؤيتك المعاصرة للإسلام عكس ذلك، وقلت إن جانبًا في النفس لا تملؤه إلا الفنون. ما مدى أصالة ما ذهبت إليك في الدين؟ ولماذا حرّم “الفقهاء” الفنون؟

شحرور: المبدأ الأساسي في الإسلام أن الحرام محدود ومحدد، وهو إلهيٌّ، أمّا الحلال، فهو مفتوح، ولا تقيّده إلا قناعة الإنسان ورأي المجتمع والقانون. وكلّ قوانين برلمانات العالم هي في تقنين الحلال. فلم يرِد أيُّ نصٍّ في التنزيل الحكيم في تحريم أيّ نوع من أنواع الفنون. حيث المحرمات أربع عشرة فقط، ولا يوجد ضمنها أي نوع من الفنون.

لكن تلخّصت مهمة “الفقهاء” عبر العصور في التضييق على الناس، وتحويل حياتهم إلى مجموعة محرمات لا يمكن لهم تفادي الوقوع فيها، وصوروا الله كإله ساديّ يَعُدّ علينا عثراتنا، ويهوى تعذيبنا والبطش بنا، ومن ثمّ، فلا عجب إذا كانت الفنون بأنواعها حرام في هكذا دين، حيث كل ما يسعد الإنسان ويرتقي بنفسه يدخل ضمن الحرام.

فإذا نظرنا إلى التنزيل الحكيم نجد إسلامًا مختلفًا، الروح فيه سر الأنسنة، وليست سر الحياة، وبها تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، ونتج عنها الفكر وارتباطه باللغة والقدرة على التجريد، وتطور مفهوم الجمال مع المعرفة، ووفق وعي الإنسان للظواهر الموضوعية المحيطة به، وجميع الفنون الإنسانية ظهرت تعبيرًا عن تذوق هذا الجمال، وكلما تطور الوعي تطورت أدوات التعبير من أصوات أو ألوان أو حركة، ولا يوجد شعب من شعوب الأرض من أكثرها بدائية إلى أرقاها تحضرًا إلا ويلجأ إلى الغناء والرقص، فهل يعقل مثلاً أن يخلق الله الإنسان وفق فطرة معينة ثم يضع قوانين مخالفة لهذه الفطرة؟ الفقه الموروث اعتبر الموسيقا والغناء حرامًا على أنهما “لهو” وهذا تحريف لكلام الله وعدم إلمام بمعنى “اللهو” أصلاً، واعتبر النحت والرسم حرامًا على أن فيهما تجسيد وعبادة للأوثان، وهذه قمة السخف، فهل إذا نظرت إلى لوحة الموناليزا ستختلط عليك الأمور وتعبدها؟ واليوم تفتقد الفنون الإسلامية للصور علمًا أنها كانت موجودة في البدايات ثم منعت تأثرًا باليهودية.

مجلّة فن: يذهب الباحث حامد عبد الصمد للقول إن نبيّ الإسلام محمد كان مهووسًا بنفي تهمة الشعر عن القرآن، ويبدو ذلك واضحًا في آيات عديدة، وهناك آية واضحة تهاجم الشعراء “والشعراء يتبعهم الغاوون”، ويقال إنّ نبيّ الإسلام قتل كعب بن الأشرف لأنه هجاه، ما موقفك البحثي من هذا القول؟

شحرور نفي صفة الشعر عن القرآن الكريم أمر بالغ الأهمية، واعتبار العرب أن التنزيل الحكيم يحمل إعجازًا في لغته، وضع الله تعالى موضع المنافسة مع الشعراء، والأهم من ذلك أنهم أضفوا على كتاب الله صفات الشعر، وهذا ما طبع العقل الجمعي العربي، فالشعر يفتقر إلى الدقّة، ولا يعيبه الكذب ولا الترادف، بل على العكس يغتني بالخيال والصور والتشابيه، لكن كتاب الله ليس ديوان شعر، وإعجازه ليس لغويًا، بل يكمن في دقة مفرداته وصدق أنبائه، وأستطيع القول دون مبالغة، وبعد دراسة لما يقارب الخمسين عامًا، إنه يحمل دقة نيوتن وبلاغة شكسبير، والآية التي ذكرتَها لا تهاجم الشعراء، لكنها تنتقد اتباع الشعر كنهج في الحياة.

أما عن كعب بن الأشرف فليس كلّ ما نقرؤه في السيرة صحيحًا، ولا يمكن أن يكون الرسول قد أمر بقتل كعب لأنّه هجاه، وهو قد تحمل أمورًا بالغة الإساءة من أعدائه، أي لا علاقة للشعر بالموضوع.

مجلّة فن: قلت سابقًا إن أمّة العرب والمسلمين أنجبت ملايين الشعراء، ولم تنجب عالمًا واحدًا، وأرجعتَ ذلك إلى ما سمّيته “العقل العربي”، ألا تعتقد أنه من غير الإنصاف إطلاق حكم تعميمي كهذا دون الأخذ بعين الاعتبار مشكلات أخرى قد تكون أخطر، كالديكتاتوريات العسكرية والدينية، والتفقير والتجهيل، والاستعمار من قبلها، وانعدام البرامج والأنظمة التي تتيح للمواطن أن يفكر ويبحث عوضًا عن الانشغال بالبحث عن طعام يومه، والخوف من أن يرفع رأسه؟

شحرور: للأسف نحن أمة مأزومة ومهزومة، أكرمنا الله برسالة محمد لنكون سفراء رحمة للعالمين، لكننا استبدلناها بدين مخترع عنصريٍّ لا يقبل الآخر، ويفضّل النقل على العقل، ويرى في الآبائية طاعةً لله، ويجعل من طاعة المستبد عبادة، ولذلك، كنا مؤهّلين للاستعمار والتفقير والتجهيل، وإذا سألت عن العلم والعلماء رشحوا لك “علماء” الشريعة وخطباء المساجد، وهذه البيئة غير صالحة لإنتاج المعرفة، حتى أنّ الماركسين في القرن الماضي لم يكونوا بحال أفضل، فالعقلية القياسية ذاتها، مع استبدال المثال، علمًا أن الإسلام الذي جاء لمحمد مختلف تمامًا، الحرية فيه قيمة عليا، والاختلاف سنة الله في خلقه، والتطور هو أساس مهمتك على هذه الأرض، وإن لم نعِ هذه الأمور، سنراوح مكاننا إن لم ننقرض غير مأسوف علينا.

مجلّة فن: لنختتم من حيث بدأنا، تقول “هناك جانب في النفس لا تملؤه إلا الفنون”، كيف ينظر محمد شحرور إلى الفن – العربي تحديدًا؟ وأين يرى دوره؟

بشكل عام أرى أن الشعر والأدب عمومًا هما أرقى أنواع الفنون الإنسانية قاطبة، لأنّهما قادران على الوصول إلى أكبر عدد من الناس عبر آلية الفكر الإنساني “اللغة”، ودون عوائق مادية، والموسيقا هي أقرب رقيًا إليهما، والقرآن في بيانه له إيقاعٌ ونغمٌ تطرب له النفس، والله ترك في الموسيقا مثلاً مجالاً للدخول إلى المشاعر الإنسانية حين تعجز اللغة عن ذلك، ولا نغفل طبعًا دور الرقص والمسرح والرسم والنحت والعمارة فكلها فنون تعبر عن رقي النفس الإنسانية.

وأرى أن على كل شعب متحضر أن يفخر بشعرائه وفنانيه وأدبائه فخرًا لا يقل عن فخره بعلمائه في الرياضيات والفيزياء والطب والهندسة، وهؤلاء جميعًا هم صانعو الحضارة بمفهومها الروحي، وإذا نظرنا إلى الدين بصفته وسيلة لسعادة الناس، فكم أسعد صوت فيروز أو أم كلثوم الناس في العالم العربي، وأدخل البهجة إلى قلوبهم، وكم عبر نزار قباني أو محمود درويش عن مشاعرنا بأرقى الكلمات، ونحن اليوم بأمسّ الحاجة للجمال حولنا، لموازنة كل هذا القبح الذي نعيشه من استبداد وفقر وجهل، لعلّ الفنون بأنواعها تساعد في صقل نفوسنا وتنقيتها مما ألمّ بها، لنعود إلى إنسانيتنا بما يليق بها كخلفاء على هذه الأرض.

رامي العاشق

شاعر وكاتب وصحافي، رئيس تحرير مجلة فن

2018-02-12T20:35:30+00:00