أتت الحكومة الأردنيّة الحاليّة بعد احتجاجات عمّت المملكة يأسًا من الوضع الاقتصاديّ، تفاجأ الجميع ببعض أسماء الوزراء؛ إذ خرجت التشكيلة في جزء منها عن المعتاد؛ وُجدت أسماء لوزراء شباب، كما ضمت التشكيلة الوزاريّة نساءً أكثر من أي حكومة أخرى منذ تأسيس الدولة (7 سيّدات).

لاقى هذا الأمر ترحيبًّا من قبل اللجنة الوطنيّة الأردنيّة لشؤون المرأة. بين الوزيرات التي أتت بها الحكومة، الكاتبة والقاصّة بسمة النسور، وزيرةً للثقافة.

منذ البداية حدث جدل على الوزيرة النسور بسبب اقتطاع تصريحات سابقة لها من سياقها، لذا كانت الأمور تجري هذه المرة معنا بكل حرص؛ إذ حضر المقابلة هذه كلّ من مدير مكتب النسور ومدير الإعلام في الوزارة أحمد العون.

الوزيرة الجديدة، المولودة في مدينة الزرقاء العام 1960 هي قاصّة قبل كل شيء، وكاتبة مقال في الشأن الثقافيّ، مهتمة بالسينما والكتابة عن الأفلام، وعلى غير عادة الوزراء ما زالت النسور تجد وقتًا للقراءة. مجلّة فن التقت النسور في مكتبها بالوزارة، ودار معها الحوار التالي:

وزيرة الثقافة الأردنية بسمة النسور – خاص مجلة فن، بعدسة عمار الشقيري

فنّ: في سيرتك الذاتيّة الكثير عن العمل في المحاماة والقانون، لكن، من أين أتت بسمة النسور للأدب؟

بسمة النسور: “الأدب لصيق بشخصيّتي منذ البدايات، كان والدي قارئًا، لذا كلّما توفّر كتابٌ رغبتُ في قراءتهِ. أيّام الابتدائيّة كتبتُ وألقيتُ كلمات الصباح في طابور المدرسة. في مرحلة الثانوية كنتُ قد قرأت معظم الأدب الروسي، وقرأت نجيب محفوظ. القراءة بالضرورة تؤدي للكتابة إذا توفرت الموهبة”.

فنّ: ما الذي تقرؤه النسور هذه الأيّام؟

النسور: “ما زلت أجد وقتًا، ولو قصيرًا، للقراءة، أقرأ هذه الأيّام كلَّما أتيح لي من ديوان الشاعر زهير أبو شايب “مطرٌ سريّ”. أحب شعر زهير، وفي قصائده بُعدٌ وجوديّ وفلسفيّ”.

فنّ: أتيتِ ضمن حكومة توصف في بعض الأوساط الشعبيّة بأنها حكومة مطلبٍ شعبيّ. ما الجديد الذي ستقدمه الوزارة خلافًا لما قدمته وزارة الثقافة في عهد الحكومة أو الحكومات السابقة؟

النسور: “وزارة الثقافة على قدر كبير من الأهميّة والحساسيّة وأنا مؤمنة بدورها التنويري؛ نعمل على مشروع متجدّد وهو فكرة مختبر المسرح الجوّال، تقوم الفكرة على التجوّل في 12 محافظة أردنيّة، يقضي فيها المخرج حكيم حرب وبعض كوادر الوزارة أيضًا في اكتشاف المواهب بالتعاون مع وزارة التربية. المشروع كان قائمًا من قبل، والفكرة هي تجديده، والهدف منه مخاطبة الجيل الصغير بلغةٍ مدنيّةٍ بعيدًا عن لغة الكراهية والعنف والإقصاء”.

ضرب الإرهاب الأردنَّ السنوات الأخيرة أكثر من مرّة، فيما تتُهم الأردنّ من قبل بعض الجهات أنَّها مصدر دخول بعض الإرهابيين لسوريا. الأمر الذي يثير جدلاً في بعض دول الجوار عن الدور الأردنيّ في مكافحة أو الحد من الفكر الإرهابيّ أو كيفية معالجة حواضن التطرّف.

فنّ: إذا ما ذكُرت في الأردن وزارة الثقافة، ذكر معها مواجهة التطرف والإرهاب فكريًّا، حتّى وقت قريب ظل في الوزارة وحدة مكافحة التطرف، لكنّها نُقلت إلى رئاسة الوزراء، ما دوركم هنا كوزارة؟

النسور: “بدايةً، تمّ نقل وحدة مكافحة التطرّف إلى مقرّ رئاسة الحكومة، وزارة الثقافة طرف في المعادلة، الوزارة لا تصنع ثقافة، إنما ترعى الثقافة، تبعًا لذلك، نحن نعمل على رعاية ثقافة الحوار والخطاب المدنيّ ليس في عمّان وحسب، إنما في جميع محافظات المملكة. هناك توجه عام لإقامة ملتقيات في كافة الأجناس الأدبيّة ومعارض تجوب المحافظات الأردنيّة، والعمل سيكون ضمن مسارات متوازية للوصول إلى الناس في المحافظات والخروج من فكرة المركز. الشراكة ستكون مع عدة جهات والهيئات الثقافيّة، يبلغ عدد الهيئات الثقافيّة التي تدعمها وزارة الثقافة في الأردنّ، وتراقب الوزراة كذلك أداءها، نحو 680 هيئة ثقافيّة، وهي تشكل وسيلة للوصول في “عمق الشعب الأردنيّ”.

فنّ: بشكل مباشر، ما الذي تقدمه الوزارة لمواجهة التطرف أو خطاب التطرف؟

النسور: “نسعى مع وزارة التربية والتعليم لإعادة الاعتبار للمنهاج الإبداعيّ بكل أشكاله ضمن مدارسنا، وتقديم ما يُمكن أن يُسهم في تطور قدرات الأجيال القادمة وتحريرها من القيم السلبيّة لأنَّ الفنون بكل أشكالها تحرر العقل وتطوّر القيم. هناك مشروع ثقافيّ، المسرح بالتحديد سيصل إلى السجون ومراكز الإصلاح والتأهيل، بالتعاون مع مديرية الأمن العام، تتلخص نشاطاته بعمل مسرحيّات وورشات كتابة وفنون، بهدف الوصول للناس المهددين في السجون والذين تعرضوا للغلو والتطرف، بالإضافة إلى مشاريع أخرى تستهدف الشباب الذين يُعتقد أنّهم مستهدفون من هذا التطرف”.

(فنّ): هل هناك تفاصيل أكثر حول هذا المشروع؟

النسور: “تعاليم الدين الإسلاميّ سمحةٌ، نحن نركّز على البعد الجمالي في الثقافة الإسلاميّة، مثل الزخرف، وموسيقا الموشحات، والكثير من مفردات الدين الإسلامي التي لها ارتباط وثيق بالبعد الجمالي. استقبلت وزارة الثقافة مؤخرًا العديد من سفراء دول عربيّة وأجنبيّة، منهم سفراء لدول أوروبيّة، وكانت اللقاءات تهدف لبحث الشأن الثقافيّ”.

يرتبط الأردن في المنطقة والعالم بتحالفات بعيدة عمّا يُسمى بمحور المقاومة، وقريبًا من المحور المقابل، لكن حدثت بعض التقاربات الخجولة مع بعض أطراف المحور الآخر سياسيًّا.

فنّ: تاريخيًا لعبت الثقافة والرياضة دورًا في إيجاد هامش بين الفرقاء السياسيّين، بل والأعداء أيضًا. نحن نرى رياضيين مثلاً من دول لا علاقات بينها يلتقون رياضيًّا، كذلك في الشأن الثقافيّ، هل يلحق الشأن الثقافيّ السياسيّ في العلاقات الدوليّة، أم أنَّ هناك هامش ضئيل للتعامل بعيدًا عن المحاور في المنطقة؟

النسور: “وزير الثقافة جزءٌ من الحكومة، والذي يحكم هو توجه الدولة، لا نرى هناك تدخلاً سياسيًّا في الشأن الثقافيّ، نحن مفتوحون على العالم، في الأردن مطلعون على ثقافات الأخرى، السؤال: ما الذي يعرفه العالم عن الثقافة العربية عمومًا والأردنيّة خصوصًا؟ غير الأعلام (محمود درويش و نجيب محفوظ)”.

زار الكثير من سفراء الدول الوزيرة النسور في مكتبها، منهم السفير الفرنسي- التركي- الإنجليزي- القبرصيّ. ووقعت اتفاقيات ثقافيّة مع سفراء آخرين مثل السفير التركيّ.

فنّ: ما الذي كان يدور بينكم وبين سفراء الدول الأجنبيّة في الشأن الثقافيّ؟

بسمة النسور: “الحديث كان يجري عن الثقافة بعيدًا عن الصورة النمطية، هناك قراءة للعالم العربي من خلال زاوية استشراقية وغرائبيّة، ونحن نحاول أن نقدم الصور الحديثة بعيدًا عن الصورة النمطية والتشويه وأجواء ألف ليلة وليلة وارتباط الإرهاب بالإسلام. مثلاً، الترجمة شيء أساسيّ لمخاطبة القارئ الغربيّ، لذا هناك مشروع ترجمة أربعة روايات أردنية بالتعاون مع جامعة أمريكية”.

يشتكي كثير من المثقفين مؤخرًا من تهميش المثقف أو المبدع في البلاد، تبادل أعضاء كثيرون في وسائل التواصل الاجتماعيّ أكثر من مرّة حالات إنسانيّة صعبّة لمثقفين أردنيين بلا عمل، أو يُعانون من الفقر.

فنّ: ما الذي ستقدمه الوزارة للمبدع أو الكاتب؟

النسور: “تمر علينا حالات لكتاب لهم منجزهم الثقافيّ، سيكون هناك اجتماع قريب مع لجنة الخدمات الوزارية لتقديم الوزارة لقانون صندوق دعم الثقافة، هناك جديّة تامة لدعم المثقف من خلال صندوق دعم الثقافة. وهو قانون كان أحد مشاريع وزارة الثقافة لتوفير الدعم المالي للمشاريع الثقافيّة وله ميزانيّة خاصة”.

لا تكفي ميزانيّة الوزارة لمشاريعها، تطالب الوزارة بالزيادة، لكن رئاسة الوزراء تتجه لتخفيض النفقات، بسبب ما تمرّ به المملكة من وضعٍ اقتصاديّ، وصل الأمر إلى تحديد تنقلات الوزراء في المشاوير الخاصة بسيارات الوزراء الخاصة. ويقتصر استخدامهم لسيّارات الوزارة في مشاوير العمل.

فنّ: هل سيؤثر تقليص النفقات على عمل الوزارة؟

النسور: “طلبت الوزارة زيادة في الميزانيّة، لكن التوجه الحكوميّ ينصّ على تخفيض النفقات، ويبدأ من مصاريف الوزير وتنقله، الوزارة جزء من مجلس الوزراء وشملها قرار التخفيض، طلبت الوزارة استثناءً، التخفيض سيؤثر بالطبع على مشاريع الوزارة، لكن، هناك تواصل مع القطاع الخاص لعمل شراكات لنشر وتكريس الخطاب المدني الأخلاقي المثقف”.

عمّار الشقيري

كاتب أردني

2018-09-28T11:53:10+00:00