عُرض فيلم “آخر أيام المدينة” لتامر السعيد وبطولة خالد عبد الله، لأول مرة في الملتقى السادس والأربعين لمهرجان برلين السنيمائي وفاز فيه بجائزة “كاليجري”، قبل أن يدور العالم حاملاً معه صورة نادرة من القاهرة خاصةً والمدن العربية عامةً، وربما أفضل ما يشهد على ندرة هذا المنظور، هو واقعة سحب الفيلم من مهرجان القاهرة السينمائي قبل أيام قليلة من بدء المهرجان.

يجسد الفيلم إحدى التجارب الإبداعية للسينما المصرية المستقلة، مجلة فن

ويجسد الفيلم إحدى التجارب الإبداعية للسينما المصرية المستقلة، وهي تجربة شاقة استغرقت تسعة أعوام من الجهد والمثابرة لتواجه المشاكل المعتادة للسنيما المستقلة من قلة المصادر الإنتاجية والإمكانيات المادية، وينكشف هذا الجهد بوضوح في أول ثواني من العرض وقبل بداية الفيلم فعليًا عندما تظهر على الشاشة كلمات “وهذا الفيلم بدعم من” ثم تطول القائمة من صناديق ثقافية ومنح دولية.

يركز الفيلم على القاهرة كمدينة وساحة دائمة الحركة في إطار محدد، حيث تتناول القصة تحديدًا علاقة المرء بمدينته أو القاهري بقاهرته، وكيف يشكلها وتشكله، ويظهر هذا البناء السردي في أولى لقطات الفيلم حيث يقف خالد عبد الله في إحدى شُرفات المدينة المطلة على النيل، وينظر إلى فراغ المدينة الفوضوي واللون الأصفر الداكن الذي يطغي على ملامح المدينة.

ويبدو أن هذا العمل الذي كتبه السعيد بالاشتراك مع رشا سلطي هو محاولة قاهرية ناجحة لإعادة تكوين المدينة على غرار فيلم “روما” الشهير والكلاسيكي للمخرج الإيطالي فدريكو فلليني، ويقوم الفيلم بانتشال وتوثيق انتصارات وهزائم القاهرة عامي 2009 و 2010 تحديدًا، اللذين غابا عن الوجدان مع قيام الثورة.

من خلال الشخصية الرئيسية الذي يقوم بصناعة فيلم لا يَعرف من موضوعه إلا أنه محاولة للبحث عن النفس، تُسرَد قصص عديدة منفصلة ومترابطة لشخصيات شكلت المدينة مصائرها لتكشف عن جانبي المدينة القبيح والجميل في آن واحد، وتعقد مقارنات عدة بين القاهرة وبيروت وبغداد. يتحاور خالد المصري مع أصدقائه اللبناني والعراقيين الذين أتوا من بيروت وبغداد وبرلين ليلتقوا في القاهرة، فيجري حوارًا عميقًا وشائكًا بين مدينة تقف على أنقاض الحرب الأهلية، ومدينة تعاني من اجتياح أمريكي، ومدينة يبتلعها فسادها، بينما يقارن كل هذا بالمنفى وبرودته القاتلة.

ورغم أن خالد يبدو أحيانًا غير قادر على ملء وإحياء فراغ صمته أثناء الفيلم، إلا أنه في المجمل يقوم بدور محكم يبرز فيه الشخصية الرئيسية بترددها وحزنها ومشاعرها المعقدة والمرتبكة، إلى جانب ذلك يرافق خالد مجموعة من الممثلين الذين قاموا بأدوار رائعة أحيت العمل وأضافت له طعمًا خاصًا، وهؤلاء الممثلون الرائعون هم: ليلى سامي وحنان يوسف ومريم صالح وحيدر حلو وباسم فياض وباسم حجر، مع ظهور خاص ومفاجئ لأبلة فضيلة. لكن ربما الأبطال الحقيقيون للفيلم هم الشخصيات والمارة والباعة الجائلين والشحاذون الذين يظهرون مرارًا وتكرارًا في خلفية بعض المشاهد أو في مركزها أحيانًا، ليثبتوا أنهم جزء لا يتجزأ من المدينة التي تحيا بناسها.

ويقوم مدير التصوير باسم فياض –وهو الممثل أيضا– بإبراز صورة متسقة وصادقة للقاهرة بقبح بنايتها واصفرار جوها الذي يمتلئ بالغبار والتلوث. لكن في الوقت نفسه، ومن خلال خلط مشاهد تبدو مهتزة وغير واضحة -كأن خالد هو الذي يلتقطها بنفسه- مع صور وتكوينات محكمة يستطيع فياض أن يبرز الحميمية التي تتسم بها المدينة.

أما على شريط الصوت يسيطر صخب المدينة وضجيجها الذي تتخلله بعض الحوارات القصيرة التي تبدو أقرب للشوارد والأفكار. بالإضافة إلى ذلك يعتمد السعيد كثيرًا على فصل الصوت عن الصورة وتحويل الممثل إلى راوٍ يحكي عن مشاعره المدفونة في عمق الصورة ويكشف خبايا نفسه.

إلى جانب ذلك يجيد السعيد توظيف الموسيقا البديعة لإميلي ليجراند وفيكتور مويسي كي يسبح بالمشاهد عبر شوارع وسط المدينة التي تبدو أنها تمثل المدينة بأكملها بالنسبة إلى السعيد وفريق عمله، لكن ربما عشرة أفلام لا تكفي لإبراز مدينة الجوانب والطبقات المختلفة لمدينة بحجم القاهرة.

في المجمل، يأخذنا سعيد في جولة خلال 118 دقيقة محكمة ليطوف بنا في وسط المدينة في جولة مشوبة بالحنين والواقعية والصدق ليقدم عملاً يستحق الإشادة في أولى أفلامه الروائية الطويلة.