في تجربتها الأولى في الإخراج، استطاعت المخرجة اللبنانية ريم صالح في فيلمها الوثائقي “الجمعية” الذي عرض في قسم البانوراما في الدورة 68 من مهرجان برلين السينمائي أن تبشر بخطوات مخرجة شابة قادمة. نعم، يستطيع المخرج أن يختار السيناريو والأمكنة التي يريد، فالمكان ليس حكرًا على أحد، وهنا الإشارة إلى أن مخرجةً لبنانيةً صنعت فيلمها الأول في أزقة مصر، ممّا أثار لغطًا لدى فئة من المتابعين المصريين الذين اعتبروا أن هذا ليس حقًا لها، على الرغم من أن والدتها مصرية، وهنا يتأسّف المرء على اضطراره للبحث عن المنابت والأصول عندما يتعلق الأمر بفيلم سينمائي! ولا ضرورة لعرض أسماء لمخرجين عالميين قاموا بصناعة أفلام خارج موطنهم، لذلك تسقط هذه الحجة غير المهنية وغير الإنسانية أيضا.

المخرجة ريم صالح، بعدسة مارتين رودريغز ©Martín Rodríguez

من جهة أخرى، ظهرت عبارة “تشويه سمعة مصر في الخارج”، وهنا تجدر الإشارة الى أن التشويه يكون على عرض أمر غير موجود في الحقيقة، لذلك تسقط هذه العبارة أيضًا، عندما يتم الحديث عن هذا الفيلم الذي يأخذك إلى شوارع روض الفرج التي تنتمي إلى فئة العشوائيات، فقد استطاعت صالح بإحساس عالٍ أن تجعل المتفرج مشدوهًا بقصص أبطالها وغالبيتهنّ نساء، أكثر من التدقيق في تفاصيل شكل تلك العشوائيات التي تتميز بالفقر والضيق والقهر. جمّلت صالح تلك الأماكن، عبر أم غريب، أهم شخصية في الفيلم، التي تدور حولها قصص باقي حكايات الشخصيات الأخرى.

ينقسم الفيلم إلى قسمين، ما قبل الجمعية، وما بعد الجمعية، وتم تصويره لسنوات تتعدى الخمس، والجمعية هنا: طقس اجتماعي له علاقة بفكّ أزمة مالية من خلال مجموعة تشارك فيها بمبلغ رمزي، ويتم منحه كلّ شهر إلى كل شخص مشارك في القائمة، والجمعية في الفيلم قيمتها ثلاث ألاف جنيها مصريا تتقسم على أشخاص يجب عليهم دفه 10 جنيهات يوميا، ومن خلالهم ستنتقل حكايات العشوائيات إلى منحىً مغاير له علاقة بالتكاتف الاجتماعي، والمحبة و”الجدعنة” التي تعتبر من صفات المناطق الفقيرة وقليلة الحيلة، سيتعرف المشاهد من خلال تلك الجمعية على شخصيات الفيلم، بحيث تظهر “أم غريب” المرأة القوية والمحِبّة لعائلتها التي وقفت إلى جانب زوجها المريض في شدته، تجدها وهي تترأس اجتماعًا لوضع قائمة مبنية على من يستحق الجمعية أولا، فهناك من يريد الزواج، وثمة من يريد فتح مشروع صغير، في المقابل ثمة جمعية أخرى للأطفال، تلمس من خلالها أحلامهم الصغيرة التي تتمثل على سبيل المثال في شراء فستان جديد، لكنّ المشاهد لن يتوقع أن ثمة طفلة دخلت في تلك الجمعية لإجراء عمليّة ختان، على الرغم من اعتراض والدها على ذلك، وهذه قصة من الواضح أنها لم تكن في حسبان ريم، لكنّها وضعتها وكانت ملائمة لشكل الفيلم من حكايات متنوعة.

إذن، يعطي هذا الفيلم لمحة عن شكل العلاقات الاجتماعية في تلك العشوائيات، العلاقات التي تعتبر منفتحة على بعضها، وكأنهم يعيشون في منزل واحد، لا أسرار فيه، فجميعهم في الهم والقهر والحلم واحد.

ستنتقل حكايات العشوائيات إلى منحىً مغاير، مجلة فن

على سبيل المثال، سيكون المشاهد شاهدًا على عرس شعبي بديع لشاب مرّتين في الأسبوع، لأنه ببساطة قرر أن يطلق زوجته التي لا يحبها ويتزوج من يحبها، دون معرفة أية تفاصيل، لكنه سيشهد (المشاهد) لحظة الرقص بالمنديل الملطخ بدم العروس الجديدة، ليس لشيء، بل لإثبات فحولة العريس، خاصة أنه طلق قبل أسبوع فقط، وليس كما هو العرف القديم المرتبط بعذرية المرأة. هذا المشهد تحديدا يجعلنا ندرك أن جانبا من سكان تلك العشوائيات يتجاوزون الكثير من التعقيدات الاجتماعية ويقولبونها على أمزجتهم، مثل حكاية الطفلة “دنيا” وهي أكثر الأطفال شقاوة وجرأة، فهي قررت الدخول في جمعية الأطفال كي تجري عملية الختان، بالرغم من معارضة والدها الذي يشتاط غضبا وقهرا عليها، لكنها أرادت أن تثبت أنها أصبحت واعية بإجراء تلك العملية.

كأنهم يعيشون في منزل واحد، لا أسرار فيه، مجلة فن

بعد منتصف الفيلم، وكأن الأمر مقصودًا، ستبدأ شخصيات صالح بالتهاوي، ويظهر الجانب الآخر من كل تلك الإشراقات وبطلاتها نساء، منهن من يقفن إلى جانب أزواجهن لتوفير لقمة العيش، ومنهن من تراعي زوجها القعيد، ومنهن من ترفض جلوس زوجها في البيت ولا ضرر إذا تطلقت مرة وثانية وحتى ثالثة منه إذا كان الأمر يتعلق بصون البيت، ومنهن من يحلمن فقط، وهن كثر.

التهاوي في الفيلم عنوانه الرجل دائما، فأم غريب ستطلَّق من زوجها الذي وقفت إلى جانبه في أزمته، ومن كانت تراعي زوجها المقعد سيموت زوجها وتطرَد إلى الشارع هي وأبناؤها من قبل أخوة زوجها، وغيرها من الحكايات، ودنيا الطفلة الشقية ستكبر وتتخلى عن أحلامها الكثيرة، ونراها باتت صبية تاركة دراستها وتقف إلى جانب أمها في الدكان.

فجأة، تنتقل أحداث الفيلم إلى سعيد زوج أم غريب، الذي قرر أن يعيش في جامع، وهنا تلفت صالح المشاهد إلى الدين عندما يتم تفسيره حسب أهواء شخصية، فسعيد ترك أبناءه وزوجته دون أية مساعدة، وبات يفتي بالدين ويؤكد أن وجوده في هذا المنحى ما هو إلا إشارة من الله.

أم غريب، الشخصية الرئيسية في الفيلم، مجلة فن

تنهي صالح فيلمها مع شخصية سعيد الوصولي والمدعي، وتبتعد عن الشخصيات المحورية والمؤثرة فيه، كأنه فصل من حكاية جديدة في الفيلم، أو أنها أرادت أن تقول إن مثل هذه الشخصية هي التي تظهر في المشهد الاجتماعي بالرغم من كل الصفات غير الأخلاقية فيه،  العباءة الدينية التي يختبئ تحتها لتبرير كل تصرفاته… لكن مع الشخصيات النسوية التي تملأ الفيلم، كان من الأفضل أن ينتهي الفيلم معهنّ، وليس مع شخصية مثل سعيد .

الجميل في هذه التجربة الأولى للمخرجة، أن المشاهد لن يشعر بأي نوع من الإرباك من قبلها، بحيث تماسك الشخصيات وإدارتهم إضافة الى إدارة الحوار نفسه، يجعله يدرك أن عليه الانتباه إلى التفاصيل .فخلال المشاهدة سيدرك أن ثمة أمر شخصي دفعها لصناعة هذا الفيلم، ويدرك لاحقًا أنها وصية أمها المصرية التي تنتمي إلى تلك المنطقة التي كانت يوما ما مركزًا للمسارح، التي انطلق الكثير من الفنانين الاستعراضيين والمطربين القدامى منها.