من الصعب أن تخرج من مشاهدة فيلم زياد كلثوم “طعم الاسمنت” الذي يعرض حاليًا في مهرجان الفيلم العربي في برلين دون أن ترافقك أصوات الحفر والبناء وضجيج الآلات وصيحات العمال التي اندمجت مع موسيقا حية متسقة مع أصوات الطبيعة ومؤلفة، لشهداء عيان مازالوا على قيد الحياة أو الحلم، جاؤوا من سوريا إلى لبنان، ليحكوا للعالم غصتهم، موسيقا من تأليف سبيستيان تيش، استحقت أن تكون جزءًا من حكاية قدمها كلثوم بكلّ ألق، بالرغم من كمية الوجع فيها، الذي سيرافقك كمشاهد، مخاطبًا عقلك قبل قلبك، لتكون حكمًا ربما يوما ما على مأساة كاملة اسمها سوريا.

طعم الإسمنت لزياد كلثوم

طعم الإسمنت، يا له من عنوان! رن صداه عندما فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان دبي السينمائي في دورته الفائتة 14، صورة خلابة شديدة الوضوح، وهذا ليس عبثا، فالصورة تشبه الحكاية لا لبس فيها، تمنحك الهدوء تارة، وتبث كمية معلومات على لسان العمال أبطال الفيلم تارة أخرى، البناء نفسه في بلد مثل لبنان على أيدي عمال سوريين، ليس عبثا، فكل من ذاق طعم الحرب يحتاج إلى عمال بناء ليعيدوا تشكيل المدينة.

دائما وأبدا يرتبط العمال ببناء المدن، “راح نرجع نعمرها” جملة ليست عابرة، بل تكاد تكون الأصدق في كل ما يجري من ويلات، فمن سيعيد بناء ما هدمته الطائرات والديكتاتوريات والأعداء إلا عمال البناء؟

طوال مدة الفيلم 85 دقيقة، أنت بمواجهة حية مع عمال بناء معلقين بالهواء، تجدهم أقرب إلى لمس السماء من الأرض، وكأنه تعبير مجازي أن علاقتهم مع الموت أقرب من علاقتهم مع الحياة، الغريب في هذا الفيلم أنه فنيًا استطاع أن يقدم صورة خلابة لمخرج قادم بقوة، جرب أن يكون يوما ما في صفوف الجيش السوري قبل أن ينشق عنه، ويقرر أن يحكي حكاياته التي عاشها وعاشها الشعب الذي ينتمي إليه عبر أشرطة سينمائية قصيرة كانت أم طويلة.

لا يمكن أن تتغاضى عن نظرة هؤلاء العمال نحو السماء أو نحو البعد المكاني، هم فوق دائما، ينظرون إلى الأرض ويرون كل شيء صغيرًا، هذا الإحساس الذي ستعيشه كمشاهد هو حقيقة، ستخجل أمام نظرتهم الواثقة بأنهم لوحدهم يقاومون ظلم كلّ من وقف ضدهم وضد رغبتهم في الحياة.

هل تعرفون البرزخ؟، وتعريفه بأنه الحياة بين الدنيا والآخرة، هذا هو تمامًا حال الشخصيات في “طعم الإسمنت” القلق والخوف، والعودة إلى الماضي مع قليل من الأمل وعدم معرفة المصير، وكثير من العتب تحديدًا عندما يرجع صاحب الشخصية الرئيسية في الفيلم بذكرياته مع المدينة نفسها بيروت، وعلاقة والده معها، علاقتهما مع مفهوم الحرب يحضر، يربط مهنته كعامل بناء في تعمير ما دمرته الحرب، أينما حلت، هو وزملائه في حضرة الموت يقدمون الحياة.

طعم الإسمنت – زياد كلثوم

مشاهد غاية في الصنعة البديعة تجدها في هذا الفيلم، الذي يحكي حال السوريين بطريقة غير مباشرة، مثل منظرهم وهم بين أسياخ البناء التي تشبه السجون، دائما يحاصرون، دائما يطلب منهم أن يخافوا من الآخرين، تحديدًا وهم عمال ليس مصرحا لهم بالعمل مثلا، مشاعر كثيرة تلتقطها كاميرا المصور طارق خوري الذي استلم الجائزة نيابة عن كلثوم، استطاع أن يوظفها مع لقطات وصلت مباشرة دون الحاجة إلى تفسيرات بالكلام.

في هذا الفيلم البديع، ستدرك معان كثيرة انتصر فيها الشكل الفني في تقديم الواقع والوجع بعيدًا عن خطاب سياسي كان من الممكن أن يكون فجًّا ومنفّرًا، وهذا هو الذكاء في إدراة كلثوم لكل المشاهد، واختياراته للجمل التي قيلت، فما حدث وما يحدث في سوريا لا يحتاج إلى المباشرة، بل يحتاج إلى مثل هذا الفيلم ليعلق في ذهن المتلقي ويعطيه مساحة تشبه كمية المساحات الشاسعة في الفيلم ليدرك معنى ما حدث فعلا، فهؤلاء لم ينبهم من كل ما حدث إلا طعم الإسمنت الذي ترك طعم المرارة في قلوب كثيرة شاهدت الفيلم .

يمكنكم الاطلاع على برنامج مهرجان الفيلم العربي في برلين ومواعيد وأماكن العرض عبر الرابط التالي: