جيل جديد من السينمائيين والسينمائيات يصعد بعد الثورة في تونس كنتاج للتحولات الاجتماعية والسياسية. تتحدث مخرجة ”على كف عفريت” كوثر بن هنية لمجلة ”فن” عن فيلمها الذي سيعرض في افتتاح مهرجان الفيلم العربي في برلين كمحطة جديدة للسينما التونسية في ألمانيا.

المخرجة التونسية كوثر بن هنية

درست كوثر بن هنية الإخراج السينمائي بمعهد الفنون والسينما في تونس العاصمة وفي جامعة «لا فيميس» بباريس، قبل أن تلتحق سنة 2005 بكلية كتابة السيناريو في المعهد نفسه. أنتجت العديد من الأفلام القصيرة مثل ”أنا وأختي والشيء”، ”الأئمة يذهبون إلى المدرسة” و”يد اللوح”. بدأت مشوار إنتاج الأفلام الطويلة بعد الثورة التونسية، حيث كانت لها ثلاثة أفلام طويلة وهي ”شلاط تونس” (2013)، ”زينب تكره الثلج” (2016) و”على كف عفريت” (2017) الذي عرض لأول مرة في مهرجان كان في نسخته السبعين في قسم أفلام “نظرة ما” معيدا بذلك السينما التونسية إلى البرمجة الرسمية لمهرجان كان بعد غياب دام 17 سنة.

تقع أحداث الفيلم خلال حفلة يقيمها مجموعة من الطلبة في العاصمة تونس حيث تلتقي مريم، وهي شابة تونسية جميلة، بيوسف، فتى غامض، يرافقها إلى شاطئ قريب من مكان الحفلة. يبدأ كابوس مريم وتقضي ليلة كاملة في صراع من أجل العدالة بعد أن تم اغتصابها على أيدي أفراد من الشرطة.

فن: لماذا قصة ”مريم” بالذات؟

كوثر بن هنية: أولاً لأنّها قصة أثرت بي شخصيًا، وحرّكت شيئًا ما في خيالي، وخاصة الإحساس بالقهر والظلم الذي تعرضت له هذه الفتاة. وثانيًا لأن إنتاج أفلام تروي قصصًا إنسانية هو هدف كل مخرج. الهدف من فيلم “على كف عفريت” كان إيصال المعاناة التي تعرضت لها “مريم” وأعتقد أنني نجحت في هذا نظرًا لما حققه الفيلم من نجاحات كبيرة متمثلة بالعديد من الجوائز الدولية في محافل سينمائية عديدة.

فن: أحداث الفيلم لا تتطابق كليًّا مع القصة الحقيقية، لماذا اخترتِ أن تكون النهاية مفتوحة ولم يتم تناول جانب العدالة ومحاكمة الجناة كما حصل في الواقع؟

كوثر بن هنية: يستلهم الفيلم بعضًا من أحداثه من واقعة الاغتصاب التي حصلت في سنة 2012، لكن القصة ليس إعادة وفية للأحداث. أردت أن يكون السيناريو قصة خاصة بي وهو ما قلته للشابة “مريم” عندما التقيت بها خلال كتابتي للسيناريو. القصة لم تكن قصتها بالتحديد بل قصة مشابهة، وحتى الشخصيات نفسها ليست مطابقة لشخصيات الواقع، فمريم في الحقيقة ليست طالبة جامعية ولا تقيم في مبيت جامعي للفتيات، والشاب يوسف الذي كان شاهدا على العملية لم تعرفه ليلتها كما حدث في الفيلم. عندما تم تسليط الضوء على قضية اغتصابها تلقت “مريم” العديد من الرسائل من فتيات تعرضن لحوادث تحرش واغتصاب مشابهة. إذن، الفيلم هو قصة كل النساء التي تعرضن للاغتصاب والظلم. أردت أن أعالج الموضوع بأدوات السينما الروائية، وهكذا صغت الحكاية والشخصيات كما تخيلتها.

Beauty and the Dogs ©ALFILM

فن: لماذا اخترت تصوير الفيلم على شكل تسعة فصول منفردة يحمل كل فصل منها رقما تسلسليا؟

كوثر بن هنية: فرضت قصة الفيلم شكل التصوير، حيث يشمل كل فصل مشهدا صوّر في لقطة واحدة دون مونتاج تتعقّب فيها الكاميرا الشخصيات في إطار زماني ومكاني معين، يعيد تجسيد النفق أو الكابوس الذي تدخل فيه مريم في تلك الليلة مما يسمح للمشاهد بأن يعيش في الزمن الطبيعي لأحداث الفيلم.

فن: فيلم “على كف عفريت” عرض في مهرجان كان ضمن أفلام “نظرة ما”، هل يقدم الفيلم حقا نظرة جديدة عن تونس للجمهور الألماني أو العربي الذي لا يعرف السينما التونسية عن كثب؟

كوثر بن هنية: أقدم في الفيلم نظرة قاسية نوعا ما عن تونس، والقسوة هنا هي تعبير عن الحب. لا أهتم بإبراز نظرة فلكلورية جميلة عن بلدي، بل أحاول أن أظهر الواقع كما هو. الواقع أيضًا هو أن تستطيع اليوم كمخرج في تونس إنتاج أفلام تناقش قضايا مثل التي يناقشها فيلم “على كف عفريت” وهو فيلم مدعوم أيضًا من طرف وزارة الثقافة التونسية. وعلى غرار دول ديمقراطية مثل ألمانيا وفرنسا، تساهم السلطات أيضًا لدينا في دعم أفلام تعالج مسائل متشعبة وأحيانا محظورة في المجتمع، وهذا ما يعكس أيضا صورة تونس المنفتحة التي لا تمارس الرقابة مثل السابق. عادة ما يسألني الناس خلال عرض الفيلم في أوروبا: هل سيعرض الفيلم في تونس أم أنه ممنوع هناك؟ هل يعرض الفيلم حياتك للخطر؟ أعتقد أن الفيلم يكسر هذه النظرة النمطية عن تونس فلقد تم عرضه في تونس ولاقى نجاحًا كبيرًا في كل القاعات وتم أيضا عرضه في السجون التونسية بمساعدة السلطات.

Beauty and the Dogs ©ALFILM

فن: هل يعكس الفيلم واقع تونس الاجتماعي والسياسي اليوم؟

كوثر بن هنية: طبعا هو يعكس واقع تونس الاجتماعي لكنه واقع يتكرر في بلدان عديدة. الفيلم تم عرضه في فرنسا بالتزامن مع قضية التحرش الجنسي في هوليوود. لا فرق لدي بين ”هارفي وينستين” منتج ومخرج الأفلام الأمريكي المتهم بقضايا تحرش واعتداء جنسي على ممثلات هوليود، والشرطي الذي استعمل سلطته لاغتصاب الفتاة التونسية مريم. لا يعكس الفيلم فقط ما يحصل في تونس بل يتجاوز الحدود ليحكي تراجيديا الاعتداءات الجنسية والجسدية التي تتعرض لها النساء في العالم بصفة عامة. مريم هي امتداد لكل قضايا الظلم والانتهاك.

يمكنكم الحصول على كافة المعلومات المتعلقة ببرنامج العروض ومواعيد وأماكن عرض الأفلام العربية في برلين من خلال الموقع الرسمي لمهرجان الفيلم العربي بالضغط على الرابط: