ضمن الدورة التاسعة لمهرجان الفيلم العربي في برلين، الذي انطلق يوم 11 نيسان/ أبريل الجاري، يُعرض الفيلم القصير، الروائي الوثائقي، “شارع الموت” (لبنان/ ألمانيا 2017) للمخرج اللبناني المقيم في برلين، كرم غصين. الفيلم الذي حاز على جائزة “أودي” في مهرجان برلين السينمائي – برليناله للعام 2017،  يحكي عن حيّ الخلدة، وهو حيّ عشوائي خارج سلطة القانون بالقرب من مطار بيروت، في وصف الفيلم كتُب: “تُرسم فيه ملامح الحياة اليومية، أحداث الثأر والجريمة، واستعراضات الذكورة، وأعراس الشوارع الصاخبة. متنقلًا بين التوثيق والرواية، يرسم فيلم شارع الموت صورة واقعية وحميمية للحيّ من خلال قصص خمسة من قاطنيه”. على هامش المهرجان، التقت مجلة فن بالمخرج كرم غصين وكان معه الحوار التالي:

 

شارع الموت ©ALFILM

هنالك أفلام تتخطى مسألة “لأي جمهور تريد أن تصل”، وأعتقد أن هذه هي أعلى مستويات السينما/ (c) Marwan Tahtah

فنّ: كيف يمكن لفيلم يحكي عن مكان محدد وقصّة محلية أن يعني ويثير اهتمام جمهور عالمي على سبيل المثال؟ وما هو دور السينما في هذا الجانب تحديدًا؟

كرم: بالتأكيد، للفيلم خصوصية بالمنطقة وشخصياتها المهمّشة وجوّ المكان الفقير وتداعيات كل هذا، لكن هذه التفاصيل تشبه أماكن أخرى بالعالم، لذلك من السهل التواصل مع قصّة الفيلم وشخصياتها. أعتقد أيضًا أن اللغة السينمائية للفيلم دورًا في ذلك، حيث تؤطر اليوم ضمن أسلوب سينمائي جديد ليس وثائقيًا بالمعنى التقليدي الذي نعرفه، ولا روائيًا كما تعودنا عليه، بل هنالك خيط رفيع بين الخيالي والوثائقي، هو بالنهاية فيلم وثائقيّ، لكن الفكرة تكمن في كيفية دمج تفاصيل خيالية عبره تمحي هذه الحدود. بالإضافة إلى أن هنالك أفلامًا عديدة لها خصوصية متعلقة بالمكان وقصته وثقافته، لكنها تحكي بنفس الوقت مع ناس من أماكن مختلفة في العالم، وهذه هي السينما بالنسبة إلي.

فنّ: تقيم في برلين منذ فترة قصيرة، لكن ما يشغلك سينمائيًا –حتى الآن– هو ما يحدث بالبلد/ البلاد، كيف تعمل على حلّ هذه المعادلة سينمائيًا اليوم؟ وكيف توفّق بين القصّة التي ترغب أن تحكيها وبين مكان إقامتك؟

كرم: أنا الآن بمرحلة ترتيب حياتي في ألمانيا، أقضي وقتي غالبًا بالاهتمام باللغة الألمانية، ولدي منحة دراسة ماجستير، لكن من الناحية الإبداعية كل التركيز ما زال يصب بالمنطقة العربية، حتى من خلال شغلي اليومي ومتابعتي للأحداث والمواضيع، ما هي المواد التي أقرؤها والأفلام التي أشاهدها والأفكار التي أكتبها؟ حتى الآن لم أكتب سوى فكرتين لهما علاقة ببرلين، فكل أفكاري تتمحور حول العالم العربي أو حول العرب في بألمانيا وبرلين تحديدًا؛ اندماجهم، أسئلتهم عن النزوح وغيرها من المواضيع، لأني ما زلت أشعر أنني أكثر هناك، مع قصصها الكثيرة التي أرغب بالحديث عنها.

 

فنّ: بعد 7 سنوات على الثورات العربية، برأيك، ما هو أكثر ما يشغل السينما العربية؟ وما هو أكثر ما يشكل هاجسًا بالنسبة إليك لسرده سينمائيًا؟

كرم: على الصعيد الشخصي، أعتقد أننا في مرحلة نفكر ونناقش السؤال حول فشل الثورات، هنالك أسباب واضحة متعلقة بانعدام الحياة السياسية الصحية وغيرها، لكن كل ما أكتبه الآن من أفكار يعود لما قبل الثورات، حول جذور الأنظمة والقمع والكبت وأسبابه، بالإضافة إلى الظواهر التي أتت مع الثورات، مثل صعود الإسلاميين والكبت الجنسي. عدنا للتفكير بقصص تلقائيًا، على مستوى شخصي، تخطيّت النقاش سياسيًا حول حيثيات الثورات وما حدث خلالها وبعدها، والتدخلات الخارجية فيها، وهي أكيدة، لكن أريد أن أبحث بالأسباب الكامنة داخلنا كمجتمعات. أمّا بالنسبة للسينما العربية، ومع أننا ما زلنا في خضم الثورات، لكن هنالك ضرورة لأفلام تطرح هذه الأسئلة وتطرح أسباب الفشل والتغييرات التي طرأت على مدار السنوات السبع الأخيرة، وهنالك أفلام من سوريا ومصر تناقش ذلك. بالإضافة إلى وجود هامش جميل لأفلام تحكي عن الثورات بصورة غير مباشرة، وهذا صحي، الثورات حاضرة فيها لكنها تناقش قضايا مجتمعية وداخلية أيضًا. وبالعودة إلى السؤال الأوّل، حول ماذا يعني أن نصنع سينما لها خصوصية محلية ولكن تجذب جمهورًا في الخارج؟ هو امتداد لسؤال من نخاطب في أفلامنا؟ لأي جمهور هي موجهة؟ للعربي أم للغربي؟ بالتأكيد هنالك أرض مشتركة بين الجمهورين، لكن أشعر أحيانًا بأن هنالك توجهًا غالبًا في الأفلام كأنها تُصنع للجمهور الغربي، وأنا لا أتحدث هنا عن المعايير الفنية، إنّما عن الفكرة: مع من نتحدث؟ سؤال علينا أن نسأله لأنفسنا دائمًا.

شارع الموت ©ALFILM

فنّ: هنالك أزمة إنتاج سينمائية في المنطقة العربية، لكن هنالك قصص كثيرة فيها، وبالتالي، الارتكاز الإنتاجي الأكبر هو على الخارج. كيف ترى تأثير هذا مستقبلاً على السرديات السينمائية العربية؟

كرم: أزمة الإنتاج السينمائي المستقل في العالم العربي، قائمة بأغلب الأماكن بالعالم، بما في ذلك أمريكا اللاتينية وأفريقيا وغيرها. كما أن في صناعة السينما، من الصعب تأمين موارد من دولة واحدة، وهذا له سلبيات وإيجابيات، بالطبع عندما نتوجه لطلب موارد من دولة ما، وبوجود منتج أوروبي، فهو يسعى لأن يكون شيء ما بالفيلم مهمًا للجمهور الغربي، لكن الذكاء يكمن بالحصول على الموارد بلا تنازل عن أي وجهة نظر أو أسلوب عمل فني، مثل أيضًا تحديد الجمهور الذي يحاكيه الفيلم. هنالك أفلام تنجح وأفلام لا تنجح، هنالك أفلام تتخطى مسألة “لأي جمهور تريد أن تصل”، وأعتقد أن هذه هي أعلى مستويات السينما وما يطمح كل مخرج للوصول إليه. فيما يتعلق بالإنتاج، لا أعرف ما هي البدائل، ووضعنا في العالم العربي صعب جدًا للمطالبة بصناديق دعم للسينما، كما أن وضع السينما الجادّة المستقلّة وأزمتها حاضرة بالعالم كلّه، وليست فقط في العالم العربي.

للاطلاع على برنامج مهرجان الفيلم العربي ومواعيد وأماكن العروض يرجى الضغط على الرابط:

رشا حلوة

صحافية وكاتبة فلسطينية

2018-04-12T16:33:20+00:00