لم تكن المخرجة اللبنانية إليان الراهب تتوقع أن تجد في “هيكل” مادة فيلمها الجديد. قضت عدة أشهر متجولة في منطقة “عكار” شمال لبنان باحثة عن قصة، إلى أن قادتها خطواتها إلى مطعم صغير منعزل في “القبيّات”، أكبر القرى المسيحية في محافظة عكار. هذا المطعم الذي يملكه هيكل الشمبوق كان نقطة انطلاق لرحلتها السينمائية الجديدة، وحظي هو وصاحبه بفيلم طويل حمل اسم الأغنية التي سمعتها الراهب يومها في المطعم: “ميّل يا غزيّل”. على هامش مهرجان الفيلم العربي في برلين، حيث عرض “ميل يا غزيل”، التقت مجلة فن بالمخرجة والمنتجة اللبنانية إليان الراهب للحديث عن الفيلم.

لم يكن هيكل طائفيًا ©ALFILM

إليان الراهب

من الشخصي إلى المجاز

تقول الراهب لمجلة فن: “لم أكن أبحث عن شخص أو فكرة محددة، ولم تكن لديّ خطّة لإيجاد هذه الشخصية. كنت أبحث عن مادة لفيلم جديد، فألتقي بأشخاص أو أقرأ قصة وأشعر أنّها مناسبة لتتحول إلى فيلم. أقرر العمل على شخصية محددة عندما أجد ما هو أكبر من قصة شخصية، حيث يمكن تحويل القصة الشخصية إلى مجاز، أو كبسولة تختصر الوضع العام. هناك فلاحون كثر في لبنان، ولكني عندما تعرفت إلى هيكل أثناء تجوالي في المنطقة، وسمعت عنه وعن مطعمه قررت زيارة المطعم. كان أول ما رأيته المكان، وما يحيط به. لا يحيط بمطعم هيكل أي بناء آخر، فهو لوحده، بعدها انتقلت إلى المشهد الأكبر، وهي القرى المحيطة به وما القصة التي يرويها الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتلك القرى”.

حياة الخوف

“في 2014 تعرضت المنطقة للشلل لعدم إمكانية الوصول من طرابلس بسبب الاشتباكات، وأصبح الطريق الوحيد عبر البقاع خطرًا بسبب دخول داعش إلى عرسال، حيث كان بإمكان داعش الوصول إليه في وقت قصير واحتلال المنطقة للوصول إلى البحر نظرًا لحاجتهم إلى منفذ بحري. كان الناس يعيشون في حالة خوف. ما أذكره في زيارتي الأولى هو أن هيكل كان هناك ودار الحديث طويلاً عن داعش وإمكانية وصولها. وكان لوحده ولا يملك سوى بندقية صيد يدافع بها عن نفسه. سألته لو جاؤوا ماذا تفعل؟ قال: “أنا بانتظارهم، ومعي بارودة.”

القصة كانت تبسط الحالة المعقدة، وشعرت بأنه غير خائف. بالنسبة إليه، كان وجوده عضويًا في المكان، ولم يكن ينوي الهرب، بينما كثير من اللبنانيين يبادرون للهرب. صرت أقرأ معاني هيكل، وهي أكبر منه كشخص، ورأيت فيه ما يختزل لبنان” تقول إليان.

فلم يكن في الفيلم أي حضور نسائي سوى “رويدا” ©ALFILM

صوت نسائي في بيئة خشنة

في الفيلم، يدور حوار بين المخرجة والبطل عن تسمية الفيلم، فيقترح اسم “عتبة الباب” وتقترح هي اسم “سهرية”، إلا أنها في النهاية تستقر على “ميّل يا غزيّل”، وهي دعوة من الراهب لزيارة المكان. تقول: “كلمة ميّل تختصر الدعوة. بالانجليزية لم يكن هناك إمكانية لإيجاد ترجمة تختزل معناها، فاخترت اسمًا معبرًا عن رسالة الفيلم، “الباقون” Those who remain

بالعربية أردت إضافة بعض الخفة وصوتًا نسائيًا من خلال هذه الأغنية، فلم يكن في الفيلم أي حضور نسائي سوى “رويدا”، بينما بقية المشاركين من الرجال، والبيئة بحد ذاتها خشنة.”

الراهب: “حتى الخراف وضعها سياسي”

ترسل رمزية المشهد رسائل كثيرة، ففي مشهد نقل الخراف في الشاحنة، سعت الراهب إلى إيصال رسالة مباشرة من خلال اكتظاظ الخراف ونشرة الأخبار المصاحبة لنقلها إلى السوق. تقول: “كان قصدي أن أوضح كيف تنعكس الأوضاع في سوريا على الحياة اليومية للناس في هذا المكان، فحتى مستقبل الغنم يتأثر بالأخبار، بالليرة وروسيا، وإذا دخل الروس اليوم سيهبط سعر الليرة، التهريب والدخول إلى لبنان والمضاربة على السعر اللبناني.. حتى الخراف وضعها سياسي.”

حماية الوجود المسيحي في لبنان

كما تتحدث الراهب أيضًا من خلال الفيلم عن العلاقة القديمة بين لبنان وسوريا، واللعبة التي لعبها “السوريون”، والتي يشير إليها هيكل، من خلال التدخل السوري في لبنان الذي يعتبره حمى وجوده “المسيحي” ولكنه لا يتردد في أن يدعو على “غازي كنعان” بقوله “الله يغمق له”، مما يوضح الكثير عن العلاقة مع السلطة السورية في لبنان المليئة بالمتناقضات. كما أنه عندما يشرح كيفية دخول الأغنام السورية إلى لبنان، يقول إن آل جعفر يهربون الغنم والسنة يبيعونه، وهنا يظهر كيف يستغل اللبناني نفسه الوضع السوري.

وتضيف: “لهذا السبب وضعت مقطعًا سياسيًا مع مشهد الغنم، فهي قادمة من سوريا إلى لبنان، وذاهبة إلى مستقبل مجهول وإلى الذبح، وركبّت مع المشهد نشرة أخبار لإيصال هذه الرسالة من خلالها. هذه الحالة عامة وليست خاصة بالمنطقة. هؤلاء الناس في الريف القريب على الحدود السورية، ولديهم خوف أكبر لإحساسهم بالتهديد. الحالة عامة ولكنها مكثفة في الريف وأساسية ومهمة. أهل المنطقة ينتظرون تأثير الأحداث في سوريا عليهم بطريقة مباشرة.”

لا يتردد في أن يدعو على “غازي كنعان” بقوله “الله يغمق له”

الطائفية والتظاهر بالتعايش

“زرت المكان على الأقل 15 مرة قبل بدء التصوير، وكنت أصغي إلى أحاديثهم وما يدور بينهم. كنت أريد معرفة ما يحدث من خلال زوار مطعمه. كان التحدي يكمن في رواية قصته الشخصية وربطها بالقصص العامة للمنطقة، وتم ذلك من خلال السائقين الذين يمرون عليه لتناول الغداء ويتحدثون عن كافة المشاكل كالبيئة والفساد وغيرها” تقول الراهب.

يدور الحديث في الفيلم كثيرًا عن التعايش السلمي بين الطوائف، حيث يمتدح أهل القرية المسلمون المسيحيين منهم، والعكس، ولكن الراهب تقول: “من خلال أهل القرية لمست الخوف من الآخر رغم تظاهرهم بالتعايش، بينما عند هيكل المنعزل شعرت بالتعايش دون تنظير، حيث يتجلى مثلاً في عمل رويدا معه لسنوات طويلة واعتبارها ابنته وهي مسلمة بينما هو مسيحي. لم يكن هيكل طائفيًا، ولا أنطوان، الذي يقول إنه كعلماني يعتبر نفسه أقلية، فكل من هو ضد الغريزة أقلية.”

عن لبنان الأفضل

تقول الراهب: “قطعة الأرض المرتفعة في الشمبوق، المنطقة المهددة بالتلوث والكسارات والوضع السياسي، يمكن أن تشكل، لو حموها بشكل جيد، نموذجًا لمكان يستطيع لبنان من خلاله أن يلعب دوره الذي كنا نسمع عنه من أجدادنا، والذي كان يلعبه قبل بناء دولة لبنان. هناك مكان لا يملكه أحد وليست له حدود جغرافية ضيقة، بل هو مكان مفتوح، لكنه في نفس الوقت صغير ومهدد من كل ما هو حوله، ورغم ذلك له إمكانيات كبيرة ويحمل كل الاحتمالات.”

وتضيف: “حاولت إيجاد تحالف بين هذه الشخصيات الثلاث عند المشاهد. هناك مكان حقيقي يجمع المسيحي غير الطائفي، والسني غير الطائفي والعلماني، وفي هذا المكان يستطيعون بناء لبنان أفضل.”

دينا أبو الحسن

صحافية ومترجمة سورية

2018-04-19T12:25:58+00:00