ينحت الفيلم الوثائقي “نهايات سعيدة” صورةً شديدة الواقعية عن مفترق طرق في مسار حب مخرجَيه: ندى رياض وأيمن الأمير، مع شرارة الثورة المصرية عام 2011، تقع ندى في حب أيمن، إلا أن الشعلة الأولى للحب سرعان ما تخبو عندما يقرر أيمن مغادرة البلاد بسبب تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية عقب الثورة وبحثًا عن طريق لتحقيق أحلامه السينمائية. أما ندى التي تنشغل بالثورة فلديها رأي مختلف، تحاول إقناع حبيبها بالبقاء، لكن تصاعد أحداث الثورة لم يجعل خيار البقاء سهلاً.

يقدم الفيلم نموذجًا شاعريًا ليس لقصص الحب التي تخلق في الثورات، بل لتلك التي تؤثر عليها التغيرات السياسية والاجتماعية، كما يقدم فكرة سفر أحد الشريكين بشكل عام وكيفية تأثيرها على حياة الطرف الآخر.

©ALFILM يوم ما هتفنا ثورة ثورة حتى النصر.. كان كل واحد فينا يقصد حاجة غير التاني

الثورة كاختيار فردي

ندى رياض

يسافر أيمن وندى من الاسكندرية إلى القاهرة، ويدور حديث بينهما يرى فيه أيمن أن وضعهما غير مريح، وتفسر ندى شعوره بأنه يريد أن يكون كل ما يفعله مقبولاً من جميع من حوله. في مدينة الاسكندرية الساحلية نرى بطلي الفيلم يمشيان على “الكورنيش” ويتحدثان بالقرب من البحر، وعلى الجدران وضعت عبارات مثل “أترضاه لأختك” لحث المجتمع على السير في منهج اجتماعي محدود حتى وإن كانوا أمام هذا البحر الواسع.

كما تدور معظم الأحداث حيث يعيش والدا ندى، وحيث تربَّتْ وقابلت أيمن، في مدينة الاسكندرية، المدينة التي شهدت زخمًا ثوريًا كبيرًا، وقصص الحب التي نشأت فيهذا الزخم الثوري كما في ميادين التحرير الأخرى بجميع أنحاء مصر كانت كثيرة. اندلعت تلك الحكايات تمامًا كالتظاهرات متأججة بالأمل، وانطفأت بخذلان الواقع، أو أكملت متعثرة في طريق الرحيل أو البقاء الممزوج بمرارة.

كل تلك الأمواج الضاربة من تأثيرات مجتمعية ضاغطة تجعل من الثورات اختيارًا فرديًا، يقوم به الأشخاص حينما يحبون، ويرى بطلا الفيلم الثورةَ كل منهما بطريقة مختلفة، فأيمن يرى أنه يجب أن يلاحق أحلامه خارج مصر، وندى ترى أنها يجب أن تشارك في تغيير الجميع حتى تتحقق ثورتها، وتختطف من الدنيا ما يمكن أن تنال من لحظات.

تحكي ندى في بداية الفيلم عن شاب قابلها وقال لها معتذرًا إنه كان يتحرش بها ووعدها أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى، تمنح جملة كهذه أملاً كبيرًا في التغيير، لكن مع انكسار موجة التغيير على صخرة الواقع السياسي في منتصف الفيلم، تحكي ندى عن أحد الأشخاص الذين تعرفت إليهم في التظاهرات وقد نصحها بارتداء غطاء للرأس أثناء التصوير: “أداني طرحة صغيرة وقالي المفروض أراعي عادات وأفكار الناس اللي بصور معاهم، لأن أنا وأصحابي الفنانين بنخسّر الثورة شرايح كتيرة من المجتمع بأشكالنا وتصرفاتنا، لكن فهمت إن يوم ما هتفنا ثورة ثورة حتى النصر.. كان كل واحد فينا يقصد حاجة غير التاني”.

عن الغياب.. “الجنة الضائعة”

أرادت ندى في البداية أن تصنع فيلمًا عن غياب أحد طرفي علاقة حب ما، لتبرز تأثير الغياب على العلاقات الإنسانية، بل وعلى استكمال الثورات بنوعيها الجمعي والشخصي. وأثناء ذلك اكتشفت أن جزءًا كبيرًا من ثقل العلاقة التي تمر بها، هو بسبب تأثير الظروف المحيطة، فقرر ندى وأيمن أن يغيرا فكرة الفيلم.

تأخذ ندى والديها في الفيلم كأحد أمثلة الغياب والحراك السياسي الشبابي في الماضي. ولكنّها صنعت فيلمًا عنها وعن حبيبها الذي ظلت طوال الفيلم تقنعه بالبقاء.

تظهر والدتها في مواد مصورة تعرضها ندى على أيمن، وتبدو الوالدة منفتحة وتتحدث بشكل أصيل عن تجربتها في مجابهة الغياب، وحكت عن خوفها من الضياع في الغياب حينما قالت “هل أقدر أن أعود وأرى الإسكندرية مرة أخرى في الشتاء؟”

على عكس الوالد الذي يبدو متحفظًا في حديثه عن الحب والحراك السياسي، وهنا تشبهه ندى بحبيبها أيمن الذي يسعى طوال الفيلم للرحيل كما يبدو متحفظًا.

هاني أحد شخصيات الفيلم الذي يظهر في جزء من المواد المصورة التي صورتها “ندى” لصناعة الفيلم، كان الغياب سببًا في انتهاء علاقته بمن يحب. سافر حول العالم لإدارة أعماله وترك زواجه ينهار، ويرى أن مصر كانت الجنة: “أنا شفت الجنة مقدمًا، شفت نهاية الفيلم قبل بدايته، شفت مصر أيام ما كانت الناس بتهاجر ليها” لكن هاني كما يظهر من تحليل البطلين في الفيلم ربما مازال لا يدرك أنه ربما قد ضيع جزءًا من الجنة حينما تركها وضحى بعلاقة حبه كي يلاحق أحلامه.

الثورة جنون، طرفاه عقل

أيمن الأمير

ينسبون مقولة “الثورة جنون، طرفاه عقل” لأمير الشعراء أحمد شوقي، ندى وأيمن قد يبدوان شخصيتين مختلفتين لمشاهدي الفيلم، فندى لديها إصرار غريب على البقاء في المركب التي يراها الجميع تغرق، ففي لحظة استسلام نادرة في الفيلم المليء بالعناد تبكي ندى وتقول إنها تعرف أنهما يمران “بمصيبة” لكنها تصر على عدم الرحيل إلى أجل غير مسمى. وأيمن هذا الشخص الذي خرج جمهور الفيلم من القاعة وهم لا يطيقونه لأنهم رأوا فيه الإنسان المكبّل بتقاليد المجتمع التي تأبى أن تتركه بسهولة، رغم أنه نفسه يريد ترك هذا المجتمع بأكمله.

والدا ندى، اللذان تكبّدا، في عهد فائت، عناء السير في مشوار الغياب، اختلفا كذلك على جدواه.

قبل أن ينتهي الفيلم بكى بعض الحاضرين من أثر المشاعر التي بثها الفيلم، فقد نجح المخرجان الشابان في صناعة سرد سينمائي واقعي، إلا أنّ بعض من شاهدوا الفيلم خلال عرضه في مهرجان الفيلم العربي بنسخته التاسعة في العاصمة الألمانية برلين قد أخذوا على الفيلم صورته غير المثالية، وعن هذا تحدثت مع المخرجة ندى رياض التي قالت: “اختيار نوع كاميرا بسيطة وتصوير الكادرات السينمائية بهذا الشكل كان قرارًا إخراجيًا واعيًا تمامًا ولم يأت بالصدفة، فقد قصدت أن تشبه صور الفيلم تلك الصور التي نلتقطها بكاميرات الموبايل أو في الشارع وهي تشبه تلك الصور التي كان يتم تصويرها في التظاهرات”.

وبعد أن خرج الجميع من قاعة العرض لم يبق إلا تحليل منطقي لواقع مر به شباب كثيرون عايشوا وعاصروا الثورة المصرية. وربما عاشه آخرون أيضًا وضعوا تحت وطأة الاختيار ما بين الرحيل والبقاء، وبين الأسئلة: هل الرحيل هروب؟ هل البقاء ومجابهة مستقبل فردي وثوري مجهول جنون؟ وهل يحل الحب معضلة الجنون هذه؟

وفاء البدري

صحافية مصرية

2018-04-24T15:02:29+00:00