للمرة الأولى في تاريخها الفني الذي امتد لأكثر من عشرين عامًا، تقدم فنانة الأوبرا السورية لبانة القنطار حفلاً في برلين الشهر القادم. وهي لا تعتبر هذه فرصة للأداء أمام جمهور جديد فحسب، بل هي فرصة لرؤية السوريين في برلين والاجتماع بهم.

وقد التقت “فن” لبانة القنطار لتحدثنا عن مشاريعها القادمة، وبعض شؤون سوريتها وفنها وحياتها.

“أنا سعيدة للقاء السوريين في برلين يوم 28 يناير في حفل تنظمه مؤسسة صادق جلال العظم، وسأقوم بالإعلان عن مكانه وزمنه لاحقًا، وسوف يضم الحفل برنامجًا منوعًا يشمل أعمالاً سورية وعدة مقاطع أوبرا، مما سيكون مناسبًا لجمهور عربي وأوروبي متنوع.”

لبانة، التي تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سبع سنوات، لم تزر أوروبا خلالها سوى مرتين، تقول إنها اكتفت من هذا البعد “أنتظر الحصول على الجنسية الأمريكية لأستطيع التنقل بحرية، والاقتراب أكثر من جمهوري، وربما أنشط أكثر كمغنية في العالم العربي بعد عودتي.”  وقد قدمت في فرنسا هذا الشهر عملاً فنيًا جديدًا محوره قضية المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام السوري.

“شاركت في عمل في فرنسا يخص المعتقلين والمعتقلات، كان قد حدثني بشأنه المخرج رمزي شقير أثناء عملنا معا في لندن في المسرح الوطني “ناشونال ثياتر”، وقلت له إني أحب العمل في كل ما له علاقة بوضع النساء وإظهار جانبهن من المأساة السورية. تحمست لفكرته، خاصة أن من سيمثلن على المسرح معتقلات حقيقيات ستروي كل منهن تجربتها ضمن إخراج مسرحي. فتحت معه موضوع المؤثرات كالغناء والموسيقا، وخرجنا بفكرة إضافة مؤثرات صوتية وغناء، وأن أكون جزءًا من العمل. الشخصية التي أؤديها ليست فقط دورًا غنائيًا، بل أقوم بدور معتقلة مازالت رهن الاعتقال. تتحدث الأخريات عن ظروف اعتقالهن بعد حصولهن على الحرية أما أنا فأقدم نصًا مكتوبًا.”

وتضيف: “قدمنا عرضين في 14 و15 ديسمبر في ناشونال ثياتر مولوز، ولدينا عرضان الشهر القادم في 9 و10 يناير. كانت العروض السابقة خاصة بمدراء الأوبرا وغيرهم من المختصين، أما العروض القادمة فهي عامة. وقد لاقى العمل لاقى صدى كبيرًا في عروضه الأولى، وسيقدم في عدة مدن أوروبية.”

كما شاركت في حفل في باريس غنيت فيه مع أوركسترا المغتربين السوريين قدمت فيه أغنية “يا طيور” لأسمهان، وهي أغنية نحرص على أدائها دائما في حفلات الأوركسترا السورية، وتعد من الأغاني النادرة الأوبرالية العربية وقد أعدنا توزيعها بحيث تغنى مع الأوركسترا كاملة، وتلقى دائمًا قبولًا واسعًا. قدمنا الأغنية ذاتها في بروكسل في مسرح بوزار، مع أوركسترا بلجيكية كاملة بالاشتراك مع سوريين. الجميل أن هذا المسرح هو نفسه الذي شاركت عليه في مسابقة الملكة إليزابيت سنة 2000، وهي مسابقة تقام كل خمس سنوات فقط في مجال الغناء. كنت أدرس في هولندا واشتركت في المسابقة وأخذت المرتبة الخامسة. من الشيق العودة إلى نفس المكان بعد 17 سنة، وقد تأثرت كثيرًا بعودة إحساسي القديم، وكنت وقتها من أوائل المغنيات اللواتي غادرن سوريا وعملن في الخارج، فلم نكن ممتدين إلى أوروبا وقتها. الآن بعد هذا الوقت وأثناء الحرب ظهرت على نفس المسرح مع سوريين، وهم معي على نفس المسرح، لم أعد وحدي.”

وعن خططها القريبة، تقول: “لدي عدة مشاريع، أهمها إنتاج أعمال خاصة بي، وسي دي لأعمالي. لم أعد أستطيع تأجيل هذا المشروع أكثر فقد نضجت خبرتي في الغناء العربي والأوبرا واشتركت مؤخرًا في مسرحيات كنت خلالها أرتجل غنائيًا. أشعر بضرورة إنجاز مشروعي الخاص، ولكني لم أجد بعد النص الذي يعبر عما أريد. أريد فكرة مختلفة موسيقيا دون نصوص. هناك فكرة أكبر من حدث صغير، وأبعد مما يحدث حاليا. بدأت الأفكار الموسيقية تنضج في رأسي، وسأبدأ التسجيل عندما أعود إلى أمريكا.”

لم تتردد لبانة في إعلان التحاقها بالثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، ولا تعتبر أنها خسرت شيئًا بسبب موقفها.

“كنت في سوريا رئيسة قسم الغناء في المعهد العالي للموسيقا عندما بدأت الثورة، وبدأ العنف والقتل من النظام لشباب درعا. لم أعد قادرة على التدريس، فقد شعرت بحالة فصام. لم أفهم كيف نستطيع الغناء والمتابعة بحياتنا الطبيعية وهناك أناس تقتل في شوارع درعا على بعد ساعة منا. أحسست أن هذا الوضع غير منطقي ولاأخلاقي ولاإنساني، وأن علينا أن نقف. وأصبح الموضوع خطيرًا بالنسبة إلي، والمخبرون من الطلاب حتى الزملاء يراقبون بعضهم وينتظرون أي كلمة. لم أكن أسكت، وشعرت أن لا أحد يتجاوب معي فتركت. لم أعد أستطيع المتابعة في المعهد.”

وتضيف: “هذه المنظومة عندما تجد من هو خارج السرب تنتظر فرصة الانقضاض عليه. وأنا كنت خارج السرب من قبل الثورة. الفرق هو أنه لم يكن هناك مبرر للأذى قبل الثورة، ولكن بعدها أصبح “الشغل عالمكشوف” وبدأت تصلني تهديدات كي أسكت. تركت العمل وبقيت في البيت لشهرين، وصادف أن وصلتني دعوة لمهرجان أفلام أمريكي. غادرت البلد لشعوري بالخطر، وصرت أراقب كغيري ما يحدث على اعتقاد أني سأعود بعد أشهر. لم أكن أخطط للبقاء في الخارج.”

أنا إنسانة متجانسة مع نفسي. لم أكن مجبرة على موقفي، ولا أشعر أني خسرت شيئًا. هذه أنا وهذا لن يتغير. لم أستفد (من النظام) قبل الثورة ولا بعدها، ولم تقدم لي الدولة شيئًا، وكل دراستي كانت بمنح أكاديمية من الخارج. حتى عملي بالتدريس كان خسارة شخصية لي كمغنية، ولا أعده مكسبًا.”

عن تاريخها، تقول: “كأغلب الناس في مجتمعي، لم أكن واسعة الاطلاع على الموسيقا الغربية، باستثناء أن والدي درس في ألمانيا، وكان يمتلك مجموعة أشرطة موسيقية بعضها أوبرا. كان عندي تصور أكيد أنني سأصبح مغنية، ولكن لم أكن أرى نفسي في أي قالب غنائي مما كنت أراه أمامي، أي لست مطربة تقدم حفلات تقليدية ضمن أي صورة معروفة. أحببت الكلاسيكيات العربية وهذا ما كنت أريده، أعمال لها مكانة وقيمة فكرية أريد أن تسمعها الناس بإصغاء وليس بحالة تسلية.”

عندما أغني أغنيات عربية، أحب الغناء دون موسيقا، أو بمرافقة عود فقط. أشعر بحالة من الفوضى عند مرافقة موسيقا عربية، وكأني أسمع كل عازف على حدة. هذا له علاقة بموضوع التطريب وطريقتنا في التعبير. ولكن الغناء العربي والأوبرالي قريبان لنفسي بذات الدرجة. ربما تهزني الكلمات العربية أكثر بحكم الثقافة والنشاة، ولكن لا يوجد فرق بينهما عندما أغني، فهناك بعد إنساني كبير وعظيم للأوبرا. الموسيقا والغناء تمثل حالات مختلفة، إلا أنها جميعًا ليس لها جنسية.”