صعد الموسيقي السوري وسيم مقداد لأول مرة على المسرح في ألمانيا في آوغسبورغ بعد أيام من وصوله إليها، وخلال قرابة عام ونصف، استطاع فرض اسمه كأحد أهم عازفي العود في ألمانيا، وقته ممتلئ تمامًا بين الحفلات والتدريب، إضافة إلى أنه اليوم يتابع دراسته الأكاديمية في جامعة هومبولدت، متخصصًا في علم الموسيقا.

عن رحلته مع عوده في بلاد اللجوء، وعن الصعوبات والأحلام، كان لـ “فن” معه الحوار التالي:

وسيم مقداد، تصوير فادي جومر، مجلة فن

كيف بدأت رحلتك الموسيقية في ألمانيا؟

بدأت بالعزف في حفلات الـ”جام سيشين” وهي نمط من الحفلات تجمع موسيقيين لا يعرفون بعضهم البعض ليعزفوا معًا، وهكذا بدأت بتكوين العلاقات مع الموسيقيين في ألمانيا، حتى وصلت اليوم إلى العزف في عدة تشكيلات: ثنائية (عود وإيقاع)، أو ثلاثية (عود وقانون وناي) أو (عود وكونتر باص وغناء)، ورباعية (عود وإيقاع وكونترباص وكمان)، وخماسية وسداسية، وحتى العزف في بابيلون أوركسترا وصولاً إلى أوركسترا “كوميشه أوبرا” المؤلفة من 51 عازفًا و8 مغنين، في عمل أوبرالي يفوق عدد طاقمه الـ 70 شخصًا.

 

ما هو العمل الذي تشارك فيه مع أوركسترا “كوميشه أوبرا”؟

هو عمل أوبرالي للأطفال، مأخوذ من القصة الشهيرة “عازفو بريمن” والتي كتبها الأخوان غريم في القرن التاسع عشر، وتحولت إلى ما يشبه الموروث الشعبي في ألمانيا، وهي تحكي عن أربعة حيوانات هي: الحمار، الكلب، القطة، والديك، قررت الهرب من ظلم أصحابها والسفر إلى بريمن لتشكيل فرقة موسيقية.. ألّف موسيقا العمل الموسيقي التركي: آتيلا قدري شيندل.

 

هل تبدو الموسيقا الشرقية ظاهرة في العمل؟

على الإطلاق، فالمؤلف قرر أخذ أربعة آلات موسيقية تركية تقليدية هي: العود، البغلما أو البزق، القانون، والزورنا، لتكون كل آلة معبرة دراميًّا عن أحد الحيوانات الأربعة أبطال القصة. والمؤلف درس الموسيقا بين أميركا وفرنسا، والموسيقا الغربية هي المسيطرة على روح العمل الذي نجد فيه الرومانسية الأوروبية، والجاز والبلوز وبرودوي ميوزك الأميركية.

 

ألا يظلم هذا النمط من العمل آلة العود؟ ويضع حدودًا أمام قدرة العازف على إظهار مهاراته؟

لا أبدًا، فالعمل المكتوب جميل ومتقن، وغير تقليدي، وموسيقاه أتونال “شبه غير مقاميّة” تعبيريّة أكثر منها طربيّة، ولا تعتمد على تكرار إيقاعي. والمطلوب مني كعازف هو التعبير عن حالات نفسيّة وشخصيات معقّدة، وهذا تحدٍّ بالنسبة إلي كعازف.

إضافة إلى أن التقديم عدة مرات، والحفاظ على ذات الأداء لدور معقّد لهذه الدرجة هو إنجاز بحدّ ذاته.

مع ملاحظة مهمة وهي أنني أعبر عن شخصيات مسرحية لم أرها على الإطلاق، ففي كل عرض تكون الفرقة الموسيقيّة في مكانها المخصص الذي لا يتيح لها رؤية العمل على الإطلاق، وبالتالي كان علي أن أعرف حركات الممثلين وتعابير وجههم وأماكنهم وكل ما يتعلق بهم من خلال أصواتهم، معرفة كل هذا، وإعادة قوله والتعبير عنه بعودي.

 

وسيم مقداد، تصوير فادي جومر، مجلة فن

هل ترى أنّ هناك أفقًا لتقديم أعمال أوبرالية مشغولة على المقامات الشرقية؟

هناك تجارب، ربما نفتقد الكمّ، ولكن النوع موجود وجيد، وبسبب قلّة الكم، لم يظهر بعد أسلوب واضح يميزّ الأوبرا الشرقيّة.

لاتزال الموسيقا الشرقية عمومًا، والعربيّة خصوصًا أسيرة لموسيقا الحجرة. وهذا يحدّ من عدد العازفين في الفرقة، والذين عادة يعزفون لحنًا مشتركًا. ولكن لتعزف لمجموعة مستمعين من 300 أو 400 شخص، ستحتاج لزيادة عدد العازفين، لملئ الحيز الكبير. نحتاج إلى كتل موسيقيّة ضخمة، لا يكفي وجود عدد قليل وتضخيم الصوت. فالكبر يوفّر مستويات متنوعة بالترددات الصوتية. وهذا الكبر والتنوع يعطي فرصة أكبر للتعبير عن الشخصيات.

وهنا تظهر المشكلة.. عندما يتم جمع عدد كبير من الموسيقين الشرقيين، يتم التعامل مع تعدد الأصوات بشكل يقصي الطابع الشرقي جانبًا في غالب الأحيان.

ما هي أبرز المشاريع القادمة؟

أعمل على مشروع يكرّس الارتباط بين الموسيقا الشرقية والغربية من خلال كونشيرتو العود للمؤلف السوري نوري اسكندر، وربطه مع مقطوعات أخرى من الشرق والغرب. الكونشرتو مؤلف في النصف الثاني من القرن العشرين، أما القطع الأخرى فهي من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، المرحلة التي حملت التقاءً حقيقيًّا بين الشرق والغرب، كانا يتحاربان ويتحاوران في ذات الوقت. فعندما كتب موزارت “المارش التركي” كتبها لأن “الموضة” التركية كانت حاضرة في كل شيء بقوة في أوروبا، ولم تكن اسطنبول أقلّ أهميّة من فينا، والعكس صحيح. كان هناك نوع من التوازن، يشبه العلاقة اليوم بين لندن وبرلين وطوكيو. في اليابان ستسمع موسيقا أوروبية، وستسمع موسيقا تقليديّة يابانية بالتأكيد، وكذلك ستسمع في لندن موسيقا لاتينية وأسيوية.

وفي كونشرتو العود، استطاع الأستاذ نوري اسكندر أن يوجد حلولاً حقيقيّة للموسيقا الصرفة –من دون غناء- طارحًا الربع، والمقامات الشرقيّة، بقالب هارموني حقيقي مع خماسي وتري.

إضافة لمشروع “آراب سونغ جام” وهو مشروع ثقافي اجتماعي، لدمج الجمهور بالعمل الفني. فالجمهور العربي، والأوروبي المهتم بالثقافة العربية، في برلين، متعطش ليعبر عن ذاته، وفي ذات الوقت، يسمع ما يلامسه.

نكون في الخميس الأول من كل شهر، في مركز “فيركدشتاد كولتورن” في “نويكولن”، حيث نبدأ الأمسية، بمقطوعات تقدمها فرقتنا، ثم ندعو الموسيقيين والمغنين الموجودين بين الجمهور، من هواة ومحترفين، لمشاركتنا العزف والغناء.. ويكون هناك عادة موسيقيون من كل أنحاء العالم، ويقدمون أنماطًا متنوعة جدًا من الموسيقا.

هو حوار فاعل ومنفعل، قائم على الارتجال والسماع والأداء بذات الوقت.

فادي جومر

شاعر سوري

2018-02-02T17:06:10+00:00