أسامة حلمي، وشهرته أوز أوز، مغني في فرقة موسيقية، يعمل كمتحدث في الأعمال المدبلجة ويقف كممثل على خشبة المسرح، لكن العلاقة الفنية الأكثر حميمية تربط المصري البالغ الـ38 من عمره مع فن الطي الياباني المعروف بالأوريغامي. بالنسبة إليه؛ لا يتمثل هدف هذا الفن في تعقيد شكله، بل يستخدم أسامة الأوريغامي كاستعارة، وعملية الطي كأسلوب ليفتح الحديث مع الناس حول الهوية والأسئلة السياسية والاجتماعية الأخرى. أسس أسامة مركز الأوريغامي العربي في الأسكندرية ويقول في كتاب له إن الأوريغامي تشرح الهندسة للأطفال. في نهاية شهر سبتمبر/أيلول كان في عرض “اطوِ عالمك” على مسرح جربس ببرلين، وهو العرض الذي حضّره مع المخرجة والكاتبة ليديا تسيمكا.

أسامة حلمي، بعدسة إنغا درير، مجلة فن

فن: في “اطوِ عالمك” تستغل تجاربك ونتاجك من ورش عمل مختلفة، كيف حدث ذلك؟

أسامة حلمي: قصة هذا العرض بدأت بمشروع تعاون ثقافي من منظمة MitOst، التقيت بليديا وقلنا: دعنا ننتج مشروعًا بالمسرح والأوريغامي، واخترنا ثيمة الحرية للمشروع. تتعرض المسرحية إلى الجانب الشخصي بشكل كبير، فأنا أضع حياتي على المسرح حينما اتحدث عن الحرية وعن نشأتي. في فبراير/شباط 2017 نظمنا ورشة عمل للفنانين اللاجئين والألمان معًا، وبعد ذلك بثلاثة أشهر زارتني ليديا في مصر ونظمنا ورشة العمل نفسها مع سيدات وأطفال لاجئين سوريين، وفنانين وأطفال مصريين. كان لدينا ثلاثة أو أربعة موضوعات مثل: الحرية التي كان المرء يملكها وفقدها، والحرية التي أراد المرء أن يمتلكها، كما كان هناك موضوعات خاصة باللاجئين مثل: الحرية التي لم يمتلكها المرء في مجتمعه وتمناها في مجتمعه الجديد.

 

فن: كيف طورت النص – وما الدور الذي لعبه الأوريغامي في هذه العملية؟

أسامة حلمي: عملنا معًا على الفكرة الأساسية وناقشناها كثيرًا، ثم بدأت ليديا في كتابة النص. أعطيت ورشة عمل أوريغامي للممثلين في المسرحية، وتحدثنا كثيرًا عن معنى الذي خلف الطيات وما بينها، عن معنى فتح طيات الحياة، عن معنى طي الشيء هكذا (يطوي منديلًا بسرعة) أو هكذا بحذر، عن معنى التردد في حسم قرارات، هل سأسافر – نعم أم لا؟ عندما أكون متأكدًا أنني أريد أن أسافر، أطوي الأشياء هكذا (يطوي منديله بحسم في المنتصف). لم نفكر كثيرًا في الشكل الذي نبنيه مثلما يفعل فنانو الأوريغامي. الشكل النهائي لم يكن هدفنا، لم نرد أن نصنع فيلاً من الطيات. هكذا أستخدم الأوريغامي: أنا لست مصمم أوريغامي، بل استحدث أفكارًا كيف يمكن المرء أن يستخدم الأوريغامي، بالأحرى أحلم.

 

فن: وما تأثير ذلك على تقنية سردك؟

أسامة حلمي: التقنية التي استخدمها في العرض كي أحكي قصتي تسمى بالـ “Storygami”، فبجوار الطي تُخلق قصة. أنت تطوي أشكال مختلفة وتحكي معًا: ذهبت إلى الجبل، ثم وجدت بحيرة، ثم قفزت على القارب…

 

فن: ماذا يعني الأوريغامي لك بشكل شخصي؟

أسامة حلمي: الطية الأولى في الأوريغامي الكبير الذي يشكل حياتي حدث في طفولتي حينما كنت أصنع القوارب والطائرات طيًا مثل جميع الأطفال، ثم رأيت فيما بعد رجلًا على التلفاز يصنع بطريقًا من خلال طي الورق الأبيض والأسود. كان هذا سحرًا. لم أعرف آنذاك أن المرء يحتاج ورقًا مربعًا للأوريغامي. ركضت إلى غرفتي وأخذت صفحة من كراسة واجباتي كي أحاول تقليده. كان بيد الرجل بطريقًا وأنا كان بيدي كائنًا فضائيًا.

فن: متى كانت المرة الأولى التي سمعت فيها مصطلح “أوريغامي”؟

أسامة حلمي: في عام 2002 كنت في معرض الكتاب بالاسكندرية وسألت عن كتاب عن طي الورق، فسألني الرجل: “تقصد الأوريغامي؟” كانت هذه المرة الأولى التي سمعت فيها هذه الكلمة. على المرء أن يفهم طبعًا أن الإنترنت لم يصبح متاحًا في مصر إلا في الألفينيات. حينما كنت طفلاً لم يكن هناك إنترنت. ثم وجدت الكتاب وكنت سعيدًا للغاية.

فن: فيما بعد بدأت باستخدام الأوريغامي في مجال التعليم، أقمت ورش عن التحرش الجنسي وحقوق المرأة والطفل. كيف أتتك هذه الأفكار؟

أسامة حلمي: في البداية لم أكن أعرف أن هناك شخصًا مثل ماريا مونتسوري التي اخترعت أسلوبًا تعليميًا مبنيًا على الحواس. كنت أفعل ذلك ببساطة. فيما بعد دخلت على الإنترنت وبحثت عن أساليب تعليمية بالأوريغامي، وأدركت أن هذا الأمر موجود. هذا يحدث لي كثيرًا، أن يكون لدي الفكرة نفسها هكذا – مثلًا الأوريغامي للفاقدي البصر. كنت في حفل موسيقي بالاسكندرية وقد جلست في الظلمة استمع للموسيقا وبيدي المنشور الخاص بالحفلة. بدأت أطوي الشكل الذي كنت قد تعلمته على الإنترنت في اليوم السابق، ثم خرجت من الحفل وقلت لأصدقائي: “لقد وجدتها – أوريغامي لفاقدي البصر”، فقالوا: “أأنت مجنون؟ كيف يتعلم فاقدي البصر الأوريغامي”. عرفت فيما بعد على الإنترنت أن الأوريغامي لفاقدي البصر موضوع قديم.

 

فن: في “اطوِ عالمك” تتحدث عن تجربتك أثناء الثورة في مصر. ماعلاقتها بالأوريغامي؟

أسامة حلمي: في 11 فبراير/شباط 2011 تنحى مبارك. أثناء الثورة تظاهرت مع الناس في الاسكندرية. كان هذا مختلفًا عن القاهرة، حيث تجمع الناس واعتصموا في ميدان التحرير. في الاسكندرية سرنا على الكورنيش، ثم قال بعض الأصدقاء: “هيا بنا إلى القاهرة”. فقلت: “جيد، سأصنع شيئًا من الأوريغامي بالميدان”. زميلي مصطفى من القاهرة قام بطي مالك الحزين صغير، وتقول أسطورة يابانية إن أمنياتك ستتحقق إذا طويت 1000 منها، فقمنا في التحرير بطي مالك الحزين عملاق بطول مترين واستطاع الناس أن يكتبوا أمنياتهم عليه. نمنا في التحرير، وعندما لم يحدث شيء قررنا أن نعود للاسكندرية، حينما كنا في الطريق سمعنا في الراديو أن مبارك تنحى. بالنسبة إلينا كان الأمر وكأن مبارك تنحى بسبب الأسطورة اليابانية، ثم أدركت أن كل شخص بميدان التحرير لديه أسطورته.

فن: تعمل أيضًا كفنان دوبلاج وتخطط لمشروع بمسرح الظل، أيعني هذا أن الأوريغامي ليس كل شيء في حياتك؟

أسامة حلمي: الأوريغامي هو العلاقة الأطول في حياتي – لكن أحيانًا أحب أن أخونه. أحيانًا أخدع الأوريغامي. خيانتي الأولى كانت مع “مسرح المقهورين” لـ أغوسطو بوال. قضيت معه ستة أشهر ولم أتحدث مع الأوريغامي على الإطلاق، ثم شعرت بالخيانة وأردت أن أعود إلى الأوريغامي، لكن ما منعني من أن أشعر بالملل من الأوريغامي طوال الـ15 عامًا هو أنني استطيع أن أبتكر داخل العلاقة. أذهب للأوريغامي وأسأله: ما هو رأيك في موعد جديد بيننا؟ ما رأيك في أن تُستخدم كلعبة؟ وفي بعض الأحيان يقول الأوريغامي: “ها، ماذا؟” ثم أعرض فكرتي عليه ثم ننطلق. في معظم الوقت أختبر وأجرب.

2018-11-29T17:43:13+00:00