التقينا في إحدى مقاهي حيّ فيدينغ البرلينيّ، بعد عودته من جنيف واحتفالاً بإطلاق الأجندة الرئيسيّة للمفوضيّة الساميّة لحقوق الإنسان لعام 2018، التي تضمّ صورًا لوجوه أفريقيّة من 12 دولة في العالم، قام محمد بدارنة، المصوّر الفلسطينيّ، والمقيم في برلين بالتقاطها.

اختارت المفوضيّة الساميّة لحقوق الإنسان، محمد بدارنة، لتصوير وجوه لأناس من أصول أفريقيّة، وُلدوا خارج أفريقيا، وذلك بسبب كل ما يتعرضون إليه من عنصريّة، وتوثيق ما يربطهم بهويّتهم الأفريقيّة وبكونهم جزءًا من المجتمعات التي وُلدوا فيها.

محمد بدارنة، تصوير رنا مطر، مجلة فن

“هذا المشروع هو الأوّل الذي أخرج فيه من التركيز على القصّة العربيّة والفلسطينيّة إلى العالم، سافرت إلى 12 بلدًا، بعدد أشهر السنة، لالتقط صورة واحدة لشخص من أصول أفريقيّة”، يقول محمّد.

كانت بداية عمله مع الأفريقيّين بمثابة صدمة إيجابيّة، حسب تعبير محمد، ويضيف: “كوني فلسطينيًا، سهّل كثيرًا التواصل مع الأفريقيّين، وهذا مؤلم في الوقت الذي مازلنا في العالم العربيّ نتعامل بعنصريّة تجاههم، على سبيل المثال، هنالك أحياء في فلسطين تعيشها الجاليّة الأفريقيّة وتُسمى بحارة العبيد. في كل لقاء مع أفريقيّ، وفور إخباره بأني فلسطينيّ، يعبّر عن تضامن معي ومع قضيتي، وهذا شكّل قاعدة مشتركة للحديث والعمل، لأنه يعرف ما أعانيه من عنصريّة أيضًا، وهذا مهم بالنسبة إلي، أن تبني المادة البصريّة التي أعمل عليها قاعدة تضامن ترتكز على هموم متشابهة”.

تشمل الأجندة صورًا لأفراد من أصول أفريقيّة، في جنوب أمريكا وروسيا وغيرها، تجمعهم هويّتهم الأفريقيّة كما العنصريّة التي يتعرضون لها بسبب لون بشرتهم، بغض النظر عن أماكن تواجدهم أو فئاتهم العمريّة. المحور الذي ارتكز عليه محمّد بدارنة في تصويره للناس، هو أن تحمل وجوههم ابتسامات وأملاً، وتحديًا لكل ما يعانون منه.

يعتبر محمّد بأن كل مشروع توثيق بصريّ هو بمثابة باب إلى معرفة ووعي جديديْن، وكان عمله مع الأفريقيّين بمثابة باب إلى عوالمهم، ويضيف: “في سياق وجودنا كعرب وفلسطينيّين، نحن لا نمرّ بما يعيشه الأفريقيّ، الذي لا تقل معاناته عنا، وهنا عملي توسّع من كونه يخدم قضيتي فقط إلى تضامن عالميّ أيضًا”.

يرى محمّد أن ما يهمه في عمله كمصوّر، هو ألّا يعمل كمصوّر فقط، إنّما أن ينطلق من خلفيّة أنثروبولوجيّة وبحثيّة، ويتابع: “فلسفة العمل هي أن يعمل المصوِّر والمصوَّر والمُنتَج مع بعضهم البعض، بمعنى، لا أعتمد على التصوير فقط لالتقاط صورة ما، بل كيف يمكن للعناصر الثلاثة المذكورة أعلاه أن تصبح خشبة مسرح، يأخذ كل منهم دوره وتتكوّن الصورة بالنهاية بشكل إخراجيّ غير محسوس، والمصوَّر في مثل هذه الحالة هو جزء من سيرورة بناء الصّورة، دون أن يكون العمل طبقيًّا؛ بمعنى أنا المصوّر وكل شيء آخر هو تحت إملاءاتي، على كل صورة أن تخدم العناصر الثلاث بشكل متساوٍ”.

بالنسبة إلى محمّد، لا يمكن لكيانه كمصوّر أن يتحقق دون الناس، والقصص المصوّرة هي بمثابة وسيط لنقل حكاياتهم، على ألّا يكون الوسيط توثيقيًا مباشرًا وألا تكون الصّورة نمطيّة. بمشروعه مع الأفريقيّين، اعتمد محمّد على المشي في الشوارع وخلق صور من لقاءاته مع الناس، ويضيف: “لا أنا ولا الناس نتوّقع النتيجة النهائيّة للصورة، النتيجة معتمدة على جاهزيّة الشخصية بالسماح لي بالدخول إلى عالمها، وهنا تكمن قوة العمل، أنا لا أتدخل كمصوّر بكيف يعبّر الفرد عن نفسه ضمن مشهد بصريّ، بل يأتي ذلك نتاج جدل ونقاش معه وكيف يرغب هو بالظهور، هذه قصّته، والفنّ يكمن بالنحت البصريّ للعناصر الثلاث، يعتمد النحت بالأساس على أن يكون المصوَّر راضيًا عن المنتج النهائيّ، هو الذي يهمني، أكثر من المشاهد المصوّرة، لأني لن أصوّر أي شخص بطريقة لن يحبّها هو بدوره، قوة الصّورة تكمن بكيف ستخدم رؤية الشخص، على سبيل المثال، تصوير اللاجئين، هنالك الجانب التوثيقيّ والصحافيّ الذي يُظهر اللاجئ بالصورة النمطيّة، أنا لا أبحث من خلال الصّورة عن استعطاف الجمهور، الشخص الذي بالصّورة هو من يهمني”.

أكثر ما يُباع في العالم هو الصّورة التي تثير الاستعطاف

يرى محمّد أن أكثر ما يُباع في العالم هو الصّورة التي تثير الاستعطاف، وأن هذا النهج يصنع واقعًا فيه المصوِّر يبحث عمّا يرغب المتلقي “بشرائه”. ويضيف: “هذا مبني على كيفيّة تسويق الميديا للصورة، الميديا محكومة بأجهزة سياسيّة وتريد تسويق الصّورة النمطيّة التي تخدمها. لماذا إذا أردت التعاطف مع الأفريقيّ عليّ أن أصوّره حزينًا أو حافيًا أو مشردًا؟ بالنهاية، هذه مشكلة الإنسان الذي يريد أن يتعاطف، حيث تعيش برأسه صورة نمطيّة عن الناس، والصّور عليها أن تصفعنا وأفكارنا المسبقة. لا أريد أن أخدم بصوري أجهزة الميديا، صورة لطفل ميت على البحر، هي صورة تحرّك العالم اليوم، لكن الطفل خلال سيرورة حياته، لم يحرّك أحدًا”.

يعيش محمد بدارنة في برلين منذ سنوات، حيث يتنقل منها إلى أماكن عديدة في العالم، بالنسبة إليه، منحته برلين مساحة للإنتاج والتفكير، “هي الأرض الخصبة للهدوء بلا ضغط مكثف”، يقول محمد. ويضيف: “بالإضافة إلى التنوّع الكبير في المدينة من قضايا وجنسيات، هذا الواقع غير الموجود في فلسطين، فبرلين هي المكان الذي أحصل فيه على معرفة، وأنقلها وأعود بفائدتها إلى فلسطين، بغض النظر عن شكل نقل هذه المعرفة. لكن بالنهاية، من المهم أن أقيم معرضًا في برلين، لكن الأكثر أهميّة بالنسبة إلي هو أن أقيم معرضًا في فلسطين أو الأردن”.

بالإضافة إلى أن برلين تشكّل بالنسبة له مساحة للتفكير والتخطيط لمشاريع وقصص بصريّة جديدة، فإنها أيضًا تثيره بصريًا في مضمونها اليوميّ، أكثر ما يثير محمد بدارنة بصريًا في برلين، حسب تعبيره، هو “كل ما يتعلّق بالهويّات والصراع بينها”، ويتابع: “من برلين، بإمكاني خلق مواد تصوير عظيمة بوجود قصص عظيمة للناس. أكثر ما يشغلني هو كيفيّة نقل تجارب الناس في هذه المدينة إلى أماكن أخرى. نحن لم ندرك حجم أهمية قصصنا وضرورة توثيقها فنيًا وبصريًا، وهذا ما نحتاجه، التوثيق البصريّ اليوم من أجل المدى البعيد. كلٌ يحمل جهاز هاتف نقّال في يده، وكل من يزور هذه المدينة يعيش في هاتفه مخزون هائل من القصص، بإمكانها جميعًا نقل حقيقة المكان، أو ليس شرطًا حقيقته، إنّما على الأقل قصص الناس، بفرحها وبحزنها وغيرها”.

في إجابة عن أهمية قصص الناس بالنسبة إليه، أجاب محمّد: “لأني أتكلم عن نفسي من خلالها. أحكي عن نفسي من خلال الذين أصوّرهم. عندما أمشي في الشارع، تغريني وجوه الناس، ومع ذلك، تأتيني لحظات وأنا أحمل الكاميرا وأصوّر شخصًا، عندها لا أرى شيئًا من خلال العدسة، لأني أشعر بحالة من الدروشة في تلك اللحظة، التي هي أكثر من حالة تصوير، أنا لست مدمنًا على الكاميرا ولا أعتبر نفسي مصورًا، إنّما كل ما يتعلّق بالتصوير، هو حالة من النشوة وخلق لحظة لن تعود”.

رشا حلوة

صحافية وكاتبة فلسطينية

2017-12-28T19:23:01+00:00