على قائمة مؤشر حرية الصحافة لمنظمة صحافيين بلا حدود تحتل سوريا المركز الـ177 من 180 مركز. الثورة السورية والحرب التي تفجرت في أعقابها لم تعزز من موقع البلاد، لكن المفاجئ بين كل هذا؛ كم رسامي الكاريكاتير الذين أفرزتهم البلد في العقود الأخيرة. تظهر بعض النماذج في معرض “Cartooning Syria” الذي نظمه فنيًا المخرج التسجيلي الهولندي رونالد بوس. وهو المعرض الذي عرض في قاعات منظمة هاينرش بُل ببرلين في سبتمبر/أيلول 2018.

جمع رونالد بوس أكثر من 30 رسام ورسامة كاريكاتير في هذا المعرض، وفي كتاب بالعنوان ذاته، لكن الأغلبية منهم أصبحوا يعيشون خارج سوريا – الكثيرون يعيشون في أوروبا وأمريكا الشمالية والبعض يعيش في الشرق الأوسط. يقول بوس: “إنها حقيقة مفزعة أن حرية الرأي والتعبير أتيحت بالنسبة لرسامي الكاريكاتير السوريين فقط في سياق الحرب والضحايا والمنفى”.

 أحدهم هو فارس قرة بيت الذي تحدث في الافتتاح ببرلين عن استحالة نقد السلطة في وطن يهيمن عليه نظام الأسد، أي استحالة فعل ما يفعله رسامو الكاريكاتير في العالم كله.

قُدم معرض “Cartooning Syria” للمرة الأولى في أبريل/نيسان 2017 بغاليري رابطة الفنانين Arti & Amicitiae بمدينة أمستردام، ثم سافر إلى مدينة ليليهامر بالنرويج، مدينة إدام بهولندا، متجر الكتب العربي Pages بأمستردام، ومدينة مدلبورغ بهولندا. وبذلك أصبحت برلين المحطة السادسة للمعرض الذي لا يريد أن يعرض الأعمال الفنية فقط، بل يعمل على توعية الناس بالجرائم التي يرتكبها نظام الأسد في سوريا.

 

رونالد بوس، بريشة كاميران شمدين

فن: رونالد، أنت مخرج تسجيلي بالأصل، وعملت في صندوق دعم الأدب الهولندي لسنوات عدة. ما الذي دفعك لتنظيم معرض مع رسامي كاريكاتير سوريين؟

رونالد بوس: الكاريكاتير شيء جديد بالنسبة إلي. كان اهتمامي به في الماضي اعتياديًا، لم يكن لدي شغف خاص، لكنني كنت مهتم بسوريا منذ منتصف التسعينيات. في عام 1990 زرت سوريا للمرة الأولى بسبب الشاعر فرج بيرقدار. كان حينذاك ما يزال في السجن وذهبت لأسجل حوار مع عائلته لأنني أردت أن أصنع فيلمًا عنه، لكن مشروع الفيلم توقف، ومع ذلك بقت علاقتي مع سوريا. حاولت مرات عدة أن أكمل الفيلم، لكن في ذلك الوقت لم يكن هناك أي اهتمام بسوريا في هولندا. لا اهتمام على الإطلاق. في فرنسا حاولت أن أصنع الفيلم مع ARTE، ثم وجدتهم يتصلون بي في اليوم الذي أفرج فيه عن فرج بيرقدار وقالوا: “الآن لم نعد نحتاج إلى فيلم”. بالطبع كان لدي رأي مختلف. فيما بعد أتت فكرة صناعة فيلم عن رسامي الكاريكاتير لأني اعتقدت أن الصورة قد تكون أكثر تأثيرًا من الكلمات في هذه الأفلام. في البداية تعرفت على رسام كاريكاتير ثم اثنين وثلاثة، وأخذ العدد يزداد حتى جاءتني الفكرة أن نقيم معرضًا، لأنني أردت أن أسلط الضوء على سوريا والديكتاتورية التي تعاني منها.

 

فن: كم رسامة ورسامًا يشاركون في المعرض ولماذا اخترت هؤلاء تحديدًا؟

رونالد بوس: 38 إذا عددت أكرم رسلان الذي قتل (اعتقل رسلان في عام 2012 من قِبل المخابرات السورية وقتل تحت التعذيب). وجدت جميع الرسامين عبر مع المعارف. أحدهم يقول لي “هناك فلان”، وآخر يقول “أتعرف فلان؟”. إلى جانب ذلك أدير منظمة Syrian Dreams والتي في مجلس إدارتها سيدة سورية على دراية واسعة بهذا المجال. وهكذا تواصلت مع الرسامين وطلبت منهم أن يرسلوا لي رسوماتهم الأخيرة. جميع الرسومات التي في المعرض تتناول سوريا بداية من 2011. طلبت أيضًا بعض الرسومات للزمن الذي سبق ذلك، لكن الكثير من الفنانين –تحديدًا الشباب– لم يصبحوا رسامين إلا مع الثورة.

فن: كيف اخترت الرسومات التي عرضتها من كل الأعمال التي وصلت إليك؟

رونالد بوس: في البداية عملت على ذلك مع موفق قات، لكن كانت هذه العملية نظرية أكثر مما كانت عملية لأن قات يعيش في تورونتو وليس في أمستردام. قات رسام كاريكتير رائع ومصمم أفلام رسوم متحركة. هو كان نقطة الوصل بيني وبين الرسامين الآخرين. ثم عملت كثيرًا وحدي، طلبت من كل شخص أن يرسل لي خمس رسومات لكنهم أرسلوا عشرين! أعتقد أنني عندي حوالي 500 كاريكاتير. في أمستردام قمت بعملية الاختيار مع صديق رسام. بالنسبة إلى الرسامين المخضرمين لم يكن الأمر صعبًا، على المرء أن يختار الموضوع الذي يريده فقط.

 

فن: في كتاب المعرض هناك أيضًا رسامون هولنديون وبلجيكيون، كيف حدث ذلك؟

رونالد بوس: كنت أنوي إقامة المعرض في هولندا وبلجيكا. للأسف لم نستطع العرض في بلحيكا لكن ذلك حدث بعد اصدار الكتاب. أسبوع قبل العرض في أبريل/نيسان 2017 لم يكن لدي أي مال، ثم قمت بعمل Crowdfunding وهذا جلب حوالي 3000 يورو، لكن في اليوم الذي سبق الافتتاح كان هذا قد نفد. في الأسبوع نفسه أتتنا موافقة من صندوق أمستردام للفن.

 

فن: منذ ذلك الحين يطوف المعرض عبر هولندا وأوروبا، هل يستطيع هذا المعرض في رأيك أن يؤثر سياسيًا على موقف أوروبا تجاه الحرب في سوريا؟

رونالد بوس: ربما. لا يستطيع المرء أن يعرف ذلك. ما هو تأثير كتاب أو فيلم أو معرض؟ يجب أن ننظر للصورة الأكبر. كل شيء يساهم بما يستطيع ليخلق وعيًا. ربما لا يحدث ذلك في السياسة بل مع الناس حيث نرى دائمًا مبادرات جديدة في هولندا وألمانيا مثل التي تدعم اللاجئين وهكذا.

 

فن: ما هو وضع الكاريكاتير بشكل عام؟ هل لا يزال يملك تأثيرًا سياسيًا؟

روناد بوس: نعم، أعتقد ذلك بالتأكيد. عندما نتحدث عن حرية التعبير نرى عبر الكاريكاتير إلى أي حد يستطيع المرء أن يعبر عن نفسه. مثلًا في تركيا لم يعد هناك رسامو كاريكاتير في المجال العام. في سوريا كان الوضع دائمًا هكذا. يسمح للمرء أن يصنع كاريكاتير عن أمريكا وإسرائيل إن كان سلبيًا، وربما عن فلسطين إن كان إيجابيًا. عندنا يبدو أن الأمر هكذا: رسامو الكاريكاتير يبحثون دائمًا عن الحدود. المقالة قد تكون أكثر تعقيدًا، لكن المرء يرى الكاريكاتير ويفهم فورًا ما المقصود. لا يحتاج المرء أن يفكر – إذا كان يستطيع أن يفكر (يضحك). لذلك يعتبر الكاريكاتير مؤشرًا لحرية التعبير. عندما يمنع شيء من النشر، يعرف المرء فورًا ماذا يحدث.

ليليان بيتان

صحافية ومترجمة ألمانية، محررة القسم الألماني في مجلة فن

2018-10-16T09:34:29+00:00